قصتا "التمر والبستان" نموذجًا: سيرة الوالي العُماني المعروف بالتنظيم المالي والإداري - صحيفة أثير الإلكترونية
أثير -

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

صادف يوم الثالث من رجب الحالي الذكرى السادسة والسبعين لوفاة أحد الأعلام العمانيين الذين برزوا في مجال الإدارة والتنظيم، عدا عن شهرتهم في المجال الديني والسياسي كوالٍ ومؤلف لعدد من الكتب الفقهية والنحوية، وكونه أحد أبرز الرجال الذين قامت على يدهم إمامة سالم بن راشد الخروصي. إنه الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن رزيق المشهور بأبي زيد الريامي الذي ستستعرض (أثير) جانبًا من إنجازاته الكثيرة في مجال الإدارة والتنظيم خلال عمله كوالٍ لفترةٍ طويلة على بهلاء زمن الإمامين الخروصي والخليلي.

ملامح عامّة من سيرته

وُلد الشيخ الريامي بتنوف، وقيل بإزكي في 15 رمضان سنة 1301هـ، ولقب “المحتسب” لسيرته وعدله، وصرامته في دينه، ورحل إلى الشرقية لطلب العلم، فتتلمذ للإمام السالمي، وكان من أبرز تلامذته، فأغلب تساويد هذا الإمام هي بخط أبي زيد لكثرة ملازمته لشيخه، ثم رجع إلى إزكي حيث درس بمسجد الحواري، فأخذ عنه جمٌ غفيرٌ من التلامذة منهم الشيخ محمد بن سالم الرقيشي، رافق الشيخ السالمي للحج سنة 1323هـ، كما طلبه الشيخ حميد بن ناصر النبهاني، وعينه ببلدة سيق بالجبل الأخضر معلما ومدرسا، وكان من ضمن العاقدين على الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة 1331هـ.

 

تولى منصب القضاء بإزكي للإمام سالم الخروصي، كان واليا وقاضيا للإمام سالم على بهلاء، بعد أن فتحها الإمام، كما كان أحد العاقدين على الإمام محمد بن عبد الله الخليلي سنة 1338هـ، وبقي قاضيا وواليا على بهلاء زمن الإمام الخليلي إلى أن توفي، ومن مؤلفاته كتاب “المناسك”، وكتاب “النحو”، وله الأسئلة الموجهة إلى الإمام السالمي التي أجاب عنها في الكتاب المطبوع “حل المشكلات المنسوب لأبي زيد”، توفي في الثالث من رجب 1364 الموافق 14 يوليو 1945.

 

جوانب من التنظيم المالي والإداري عند أبي زيد

كان للشيخ الريامي العديد من المواقف والسياسات التي تدل على مدى الحكمة والخبرة التي كان يتمتع بها في مجال التنظيم والتدبير المالي والإداري بحيث أصبحت تلك المواقف دروسًا ينبغي على رجال الإدارة والسياسة الوقوف عندها والاستفادة من نتائجها، كما أن الفترة التي قضاها الشيخ كوالٍ على بهلاء في مجال الإدارة المحلية يمكن اتخاذها كنموذج عند تدريس برامج الإدارة المحلية، ولا يمكن حصر هذه المواقف جميعها، لكننا سنستعرض بعضا منها من خلال الرجوع إلى عدد من المراجع التي تناولت سيرة الشيخ.

بدأ الشيخ بترميم سور بهلاء كما رمم حصن بهلاء، وأضاف إليه مرافق كالمخازن والسجون وبيوت العسكر، ثم شرع في أبراجه وأبوابه الثلاثة، ثم وضع عليها حرسا يجوبون الحصن، ثم بدأ في ترميم حصن جبرين، وأحضر له الجص من الظاهرة، وزوده بما يحتاج إليه الناس وقت الشدّة، وشق طريقا جبليا بين بهلاء ونزوى عرف بطريق النجد، وهو أول طريق استعمل بعد ذلك للسيارات.

 

ويذكر عن الشيخ أنه كان يقتصد في الإنفاق حتى في الحطب للوقود، حيث كان قد حدد عددًا من كرب النخيل للوقود في البروج ليلا في أيام الشتاء لأجل التدفئة، كذلك عندما يجمع الإمام جيشا ببهلاء يحدد لأفراد الجيش الحطب المستخرج من النخيل لطبخ طعامهم، وهذا الحطب مجموع من نخل بيت المال، ومخزن في أماكن خاصة، كما كان من عادته أنه يختار الأوقات الليلية لسقي أموال الأوقاف، وقال إنها أمانة الله إلينا فالأوقات النهارية لا تخلو من بخر الشمس ولا سيما في فصل الصيف، كما أن الناس أكثر عرضة للماء في النهار.

 

وتبنى الشيخ سياسة الإقراض المالي، حيث كان يقرض الناس مبالغ مالية يسددونها على أقساط ميسرة بغرض الإنماء الاقتصادي، فكان يقرض البذور للمزارعين، ويعطي مبلغًا من ثلاثة إلى أربعة قروش لمن يريد استطناء عدد من النخيل، ثم بعد الحصاد يسدد تلك المبالغ من ريع بيع تمر ذلك النخيل.

كما اهتم الشيخ بدعم الفقراء والفئات المحرومة في المجتمع، فيذكر أنه في أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية ضربت موجة من الغلاء أسعار البضائع الغذائية الاستهلاكية ومنها سلعة الأرز، فكان الشيخ الريامي يقدم للفقراء والجائعين وجبة عشاء مجانية في قلعة بهلاء، كما كان يصرف لهم قطع ملابس وأثواب بالمجان، بل وصل الأمر إلى ختان أطفالهم على نفقة الدولة، مساعدة لهم على تحمل التكاليف المعيشية المرتفعة والتي كانت تؤثر سلبًا على حياة هذه الفئة من الناس.

وحرص الشيخ على الاهتمام بموارد المياه وتنميتها في الولاية، لذا عمد إلى صيانة الأفلاج في واحة بهلاء ومنها فلج (الميثا) لضمان ديمومة تدفق المياه في تلك الأفلاج، كما أمر بحفر آبار جديدة وإصلاح القائم منها، وفي أوقات الجدب العصيبة التي كانت تمر بها الولاية كان يغذي تلك الأفلاج بعدد من الآبار خاصة في علاية بهلاء عن طريق استخدام آلات استخراج المياه من الآبار المعروفة محليا بالزاجرة، ويروى عنه أنه وجد في يوم ما ماء أحد الأفلاج يفيض من أحد الجوانب فأمر بزراعة شجرة موز في ذلك المكان للاستفادة من مياه ذلك الفلج في ري إحدى النباتات.

كما أسهم في تأسيس مخازن للاحتياطي الغذائي، حيث خصص مخازن للمواد الغذائية في قلعة بهلاء، كان يخزن فيها التمر والحبوب والعوال (نوع من السمك المجفف) ليصرفها وليستخدمها في أثناء الأزمات الاقتصادية أو كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وكان على سبيل المثال يدخر تمر نخلة الفرض في مخازن في قلعة بهلاء كون هذا النوع من التمور يبقى لمدة زمنية طويلة دون أن يفسد.

كما كان يعطي مبالغ مالية على قتل الفئران والدبابير والثعابين، وكذلك الطيور التي كانت تقضي على المحاصيل الزراعية ومنها محاصيل الحبوب كالقمح والشعير، وغيرها من الدواب والحشرات المؤذية للناس، كما كان الشيخ يطبّق عقوبة الحبس في قلعة بهلاء لمن سيّب حيواناته وتركها ترعى من أموال الآخرين بغير وجه حق.

ولاحظ مرةً تمرًا مكدسًا على سطحٍ لأحد الناس تذري عليه الرياح وتهطل عليه الأمطار وتقليه الشمس، فسأل عن صاحبه واستدعاه قائلا له: أما علمت بأن هذا التمر قد تفضل وأنعم الله به علينا وهو المتكفل بأرزاقنا وهو غذاء وفيه منافع أخرى نستعين بها، وترك هذه النعمة في مكان غير مناسب لها يكون ضياعا لها واستخفافا بحق المنعم بها، فقال الرجل: أنا أعمل دباغًا للجلود وآخذ من هذا التمر
باستمرار لزوم ذلك العمل، فقال له الشيخ: ولو لهذا العمل فإن للتمر احترامه وتقديره وعليك نقله من ذلك السطح إلى مكان آمن من الأمطار والرياح.

ومر يومًا ببستان قد أوشكت نخيله على الموت من عدم السقي والعمارة فسأل عنه لمن، فقيل له إنه لرجل مسافر إلى زنجبار، فاستدعى أولاده وقال لهم: إن بستان أبيكم يشتكي منكم عدم سقيه وعمارته ويوشك على الموت، فقالوا له إن أبانا كما علمت مسافر ولم يترك لنا مالا ولا يرسل لنا شيئا ونحن فقراء ليس عندنا مبالغ لعمارة هذا البستان، فقال: لا بأس نحن نكفيكم ذلك إلى أن يرجع أبوكم من السفر فنحاسبه عما صرفناه في بستانه إن شاء الله تعالى.

وقد لاحظ الشيخ أن هنالك أراضي صالحة للزراعة لكنها مرتفعة ودون مجرى الماء فأمر بإزالة طبقات منها حتى يصلها الفلج ويمكن ريها فلم تكن وقتها المضخات موجودة حتى تدفع الماء ليصل للأماكن المرتفعة، وعمرها بمئات النخيل وحتى الأراض التي لم يكن بالإمكان التقليل من ارتفاعها فقد أمر بزراعتها بالنخيل وحمل الماء إليها بالدلاء وما يتيسر.

 

**************

المراجع
1- السيفي، محمد بن عبد الله. النمير روايات وحكايات، الجزء الرابع، مكتبة الأنفال.
2- الشرياني، خلف بن زاهر. العلم المزيد في سيرة أبي زيد، موقع الاباضية الالكتروني http://www.ibadiyah.com/vb/showthread.php?t=905
3- الهميمي، زكريا بن عامر بن سليمان. الشيخ الوالي عبدالله الريامي وسياساته في تحقيق الأمن العام والاقتصادي في ولاية بهلا، موقع شؤون الالكتروني https://shuoon.om/?p=32376، 16 يوليو 2018.
4- الموسوعة العمانية، موضوع عن عبد الله بن محمد الريامي، المجلد السابع، ط1، وزارة التراث والثقافة، مسقط،2013.
5- أبو زيد الريامي ترجمة من معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية للباحث فهد السعدي، موقع القبس الإلكتروني http://www.alkabs.net/view_artical.php?dep_id=118&id=286
6- نبذة عن الشيخ عبد الله بن محمد الريامي، موقع تدارات الالكتروني http://www.taddart.org/?p=7194



إقرأ المزيد