طفلة عُمانية تنتصر على السرطان.. وتبوح بأسراره في "أنين الجدران" - صحيفة أثير الإلكترونية
أثير -

أثير – نبيل المزروعي

حلّقت بأجنحتها البيضاء الصغيرة في فضاء البراءة وفسحة الأمل، لتنشر عطرًا برائحة الصبر وثقة الكبار في تحدي الوحدة والعزلة بين جدران الألم والمعاناة، بعثرت بعضًا من حروف الطفولة وهي مُتكئة على طاولة سريرها الأبيض، حروفها التي أبت إلا أن تسكب دموع من قرأها، لأنها خُطّت بِأنامل طفلة بريئة لم تتجاوز الثامنة من عقدها عندما ابتلاها الله بمرض السرطان .

هكذا ستكون ” أنين الجدران ” الرواية التي كتبتها الطفلة مريم بنت خالد الرحبية، التي كانت تعاني مرض السرطان في العمود الفقري (Ewing Sarcoma ) لمدة عام كامل من 2012 ولغاية 2013 ظلت معه حبيسة العلاج بالكيماوي في مستشفى السلطان قابوس بمسقط، لتخرج بعد ذلك مشافاة معافاة بقدرة الخالق سبحانه وتعالى.


مريم خالد الكبيرة في ثقتها وعزيمتها وصبرها، الطفلة الصغيرة في عمرها، أكدت لـ “أثير” أن المرض ليس نهاية الحياة، وإنما هو ابتلاء من رب العزة جلّ في سماه، لكن تختلف طرق وأساليب التعامل والتعايش معه، مضيفةً ” خاصةً مرض السرطان – أسال الله أن يعافي جميع مرضاه – فهو مرض يجب أن تعايشه وأن تحاول ممارسة حياتك معه كيفما استطعت وفي مختلف شؤون الحياة”.


وأوضحت مريم ” في البداية تألمت كثيرًا على حالي، والمرض الذي أصابني جعلني بعد ذلك مكتئبة حبيسة الجدران أختزل كل الظروف والأحداث في صدري دون أن أبوح بها، الأمر الذي شكّل غيمة سوداء غطت سماء ومحيط أهلي وأسرتي من الوضع الذي وصلت إليه في فترة العلاج، إلا أن إرادة الله التي أنجتني من المرض، وعزيمة أهلي في محاولة إخراجي من العزلة والألم كانت حاضرة دائمًا، تشجيعهم لي بالخروج والتحليق وإظهار الحزن والذكريات الأليمة المكبوتة في صدري، وأن أشارك الجميع لحظاتهم ولو بالتعبير النفسي والكتابة، لأجد نفسي أمام أوراق مكدسة تصف شعوري وجميع من ابتلاه الله بهذا المرض، وكيفية أن نزرع الأمل وأن نستشرق غدا أفضل.

وأضافت الطفلة مريم خالد ” لم ولن أنسى اللحظة التي طلبت مني مُعلمتي في مادة اللغة العربية، أن أتحدث عن نفسي وألقي على صديقاتي في الفصل تعبيرًا شفويًا، حينها لم أجد أمامي أنسب وأفضل من موضوع معاناتي السابقة مع الألم والمرض، الموضوع الذي أحدث ربكة بين جميع صديقاتي، لأجد معه معلمتي وقد أجهشت بالبكاء في التعبير عن وصف الموضوع، لتقدم لي بعدها النصح والإرشاد وتدفعني للكتابة والتعبير عن ما يكنّه قلبي، – شكرًا لا توفيكِ حقكِ مُعلمتي- هي البداية الحقيقية للكتابة بعد إصرار أهلي ووالدي جزاه الله خيرًا لرواية ” أنين الجدران “.

من جانبه قال والد الطفلة خالد بن محمد الرحبي لـ “أثير” : أولًا جل الشكر لكم على التواصل وتقديم بعض من الدعم لابنتي مريم، التي كانت تعاني من مرض السرطان -المرض الذي يهدّ الجبال- فكيف بالإنسان ووقعه النفسي عليه.

وأكدّ الرحبي أن ابنته كانت تعاني من المرض حالها حال جميع المصابين به، -نسأل الله الشفاء لجميع مرضى المسلمين- إلا أنه ولله الحمد والمنة فقد تجاوزته بعون الله وفضل العلاج المُقدّم لها في المستشفى، لتعود لحياتها الطبيعية وصحتها الرائعة، بعد أن كسبت أجر الصابرين من ابتلاء وامتحان المولى عز وجل، حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز ” وبشر الصابرين” صدق الله العظيم.

وعن رواية ابنته مريم “أنين الجدران”، أوضح الرحبي لـ “أثير”: القصة أو الرواية التي كتبتها ابنتي، هي انعكاس لما عايشته من مرض وألم واكتئاب وعزلة بين جدران المستشفيات والبيت، وجاءت للتعبير عن جميع الأحداث واللحظات التي مرت عليها، كما أن مريم حكت عن معاناتها النفسية مع وقع العلاج الكيماوي عليها، وكيفية التعامل في المستشفيات أثناء فترة العلاج، وتطرقت كذلك إلى طريقة تعامل المجتمع مع مصاب السرطان، وانقطاعها عن الدراسة وعن صديقاتها وكل من يعزّ عليها.

ولم يُخفِ والد الطفلة مريم خالد ” بأنه حاول في البداية أن يطّلع على منشورات ابنته وكل ما تحاول أن تكتبه، إلا أنه اصطدم بحاجز الرفض من قبلها، قائلة له “انتظر حتى أنتهي وأسلمك جميع ما كتبت”، مضيفًا الرحبي ” بالفعل، فور انتهائها من الكتابة سلمتني كل ما كتبت، ووجدت نفسي مسترسلًا في قراءة الأحداث التي أبكتني بحرقة شديدة، كونها كانت تصف اللحظات منذ البداية وبالتفصيل، أسأل الله أن يحفظ ابنتي مريم وأن يحفظ لكم أبناءكم جميعًا.

هنا .. تسدل “أثير” ستار حكاية طفلة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، تمتعت بالإرادة والعزيمة في محاولة التغلب على مرض السرطان، مُقدمةً رسالة للجميع بأن الأمراض ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، ويجب أن ندرك أهمية التعايش معها، وأن روايتها ليست كأي رواية، وليست كرواية “سندريلا” أو “هاري بوتر” من وحي الخيال، وإنما هي حقيقية جرت أحداثها في إحدى المستشفيات، -ومريم بطلتها- الطفلة التي لم تعش طفولتها كما كانت تتمنى، فجاءت روايتها متضمنة مجموعة من القيم الإنسانية وحب الخير، وبها المعنى الحقيقي للصبر، والتأكيد بأن الله سبحانه وتعالى يبتلينا بالمرض لأنه يحبنا ويحب أن يجزينا “قصر الصابرين” في الجنة بإذنه تعالى.



إقرأ المزيد