صعود القومية وإفساد العلاقات القبلية.. كيف تغير أزمة قطر المجتمع الخليجي؟
الخليج الجديد -

صعود القومية وإفساد العلاقات القبلية.. كيف تغير أزمة قطر المجتمع الخليجي؟

13-10-2017 الساعة 16:32 | ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد

في حين تم تحليل الأبعاد السياسية لأزمة قطر، التي دامت 4 أشهر، على نحو مطول، والتي تعكس إلى حد بعيد تلك التي واجهها المجلس عام 2014، إلا أنه كان هناك قدر أقل من التدقيق في التأثير الاجتماعي للأزمة. وتعكس التداعيات الاجتماعية الصراع السياسي المستمر، واحتمالات استمرار الأزمة، الأمر الذي يقلل بالتالي من احتمالات التوصل إلى أي قرار للحل. وعلاوة على ذلك، ولأن هذا الاشتباك واضح جدا بشكل عام، فقد أصبح من المستحيل تقريبا على المواطنين عدم الانحياز. وخلال المواجهات السابقة في مجلس التعاون الخليجي، دائما ما كانت الغلبة في النهاية لوحدة دول الخليج، بفضل الروابط الأسرية والقبلية والدينية والتاريخية. ومع ذلك، وفي ظل الأزمة الحالية، أبرز التعنت السياسي الاختلافات الاجتماعية، ولا سيما فيما يخص الهويات الوطنية.

صعود القومية

ومن المؤكد أن تدفق المشاعر القومية في الخليج يسبق الأزمة الراهنة، إلا أنه قد برز مؤخرا بسبب ذلك. وقد أشارت «كريستين سميث ديوان»، وهي عالمة مقيمة في معهد الدول العربية الخليجية في واشنطن، إلى تقرير حول «القومية الجديدة» في الخليج، التي تعكس «تراجع قوة دولة الرفاهية والولاء العام»، في الوقت الذي تظهر فيه أيضا «المطالب المتصاعدة من جانب المواطنين». ومن المؤكد أنه مع تمرير قوانين التجنيد الإلزامي في الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، واتخاذ تدابير تقشفية أكبر في شكل تخفيضات في الدعم، وتوقعات فرض ضريبة القيمة المضافة عام 2018، فإن العقد الذي انبنى عليه الحكم في الخليج آخذ في التغير. ومع ذلك، فقد تعزز الشعور بالفخر الوطني، وهي نتيجة لم تتنبأ بها نظرية الدولة الريعية. وعلى الرغم من أن هذه القومية تبدو في البداية وكأنها تعكس الإحساس بالفخر والدعم العسكري لحرب اليمن، فقد تحولت إلى تعبير أكثر شعبية عن الالتزام الوطني. وقد أدت الأزمة والحصار المستمر إلى تدفق غير مسبوق لمشاعر الدعم القومي على مستوى القواعد الشعبية.

وفي حين كانت الدولة قد أدخلت في الماضي مشاريع إبداعية للترويج للقومية، من خلال الاحتفالات باليوم الوطني على سبيل المثال، يبدو أنها اليوم أكثر نشاطا والتزاما بهذا الطريق. ويستخدم مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية، من الأغاني إلى الرسوم الكاريكاتورية، للتعبير عن دعمهم للقادة الوطنيين. ومن الجدير بالذكر أن رسمة «تميم المجد» للفنان القطري «أحمد بن ماجد المعاضيد» قد انتشر كالفيروس في قطر. وفي الواقع، يستخدم الكثيرون الرسم كصورة شخصية في حسابات وسائل التواصل الاجتماعي، مما يدل على دعمهم للأمير «تميم». وقد أصبحت هذه الصورة نقطة انطلاق للرسوم الكاريكاتورية السياسية والرسومات المماثلة في أماكن أخرى.

وقد استخدمت الموسيقى أيضا لإظهار الفخر الوطني. وقد تم إصدار نشيد «أمة واحدة» تضامنا مع قطر في يونيو/حزيران، وشارك فيه موسيقيون محليون ودوليون. وتسلط كلماته الضوء على قوة قطر والفخر بها. وقد كتب الشاعر «تركي الشيخ»، مستشار الديوان الملكي السعودي أغنية أداها سبعة من المغنين العرب المشهورين، ومنهم السعوديان «عبد المجيد عبد الله» و«محمد عبده». وكانت الأغنية من إنتاج روتانا، المملوكة في المقام الأول من قبل الأمير «الوليد بن طلال»، عضو الأسرة الحاكمة. وتثني كلمات الأغنية على المملكة العربية السعودية بأنها «مثال للقداسة والتسامح»، بينما اتهمت قطر بـ «عشرين عاما من الخيانة والتآمر».

كما أصبح الشعر التقليدي لشبه الجزيرة العربية بارزا في أزمة قطر. وفي يونيو/حزيران، نشر حاكم دبي الشيخ «محمد بن راشد آل مكتوم» قصيدة بعنوان «الدرب واضح» على حسابه في إنستاغرام. وفي هذا السياق، يحث قطر على العودة إلى حظيرة حلفائها السابقين في مجلس التعاون الخليجي. وكما لاحظ «أندرو ليبر»، فإن لهجة هذه القصيدة الأخيرة تختلف اختلافا كبيرا عن لهجة «محمد بن راشد» عام 2014 في قصيدة «العهود»، التي نشرت في صحيفتين، قطرية وإماراتية. حيث دعت القصيدة الثانية إلى الوحدة، وتفاخرت بروعة الخليج. ويتجلى من خلال هذه القصائد كيف تطورت مشاعر القومية خلال الأزمة الثانية، والتي على ما يبدو قد أثارت قومية المواطنين الإبداعية أيضا. وفي الواقع، نشر المتسابق السابق في مسابقة شاعر المليون، «ناصر الفراعنة»، مقطع فيديو مدته نصف ساعة ينتقد فيه السياسة الخارجية لدولة قطر، واصفا أصدقاء قطر بالنصارى والشيعة واليهود والروافض.

مكايدة وسائل الإعلام

وعلى الرغم من أن أحد الأسباب الجذرية للأزمة هو الطابع السياسي لبرامج قناة الجزيرة، إلا أن الأزمة قد أدت إلى تسييس وسائل الإعلام الأخرى. ولأن التعاطف مع قطر قد تم تجريمه في البحرين والسعودية والإمارات العربية المتحدة، أصبحت التغطية في هذه الدول من جانب واحد. وقد أدى انعدام الثقة العام إلى تأليب الجانبين ضد بعضهما البعض، مما ترك مجالا ضئيلا للتصالح. والدليل على ذلك هو إنشاء موقع «قطر إنسايدر»، الذي تموله مجموعة ضغط سعودية، والذي أطلق في يونيو/حزيران، والذي قابله إنشاء موقع «رفع الحصار» الممول من قبل قطر في سبتمبر/أيلول، والذي يهدف إلى حد كبير لمواجهة الادعاءات على الموقع الآخر.

وقد أصبحت المزاعم في وسائل الإعلام حول قطر غريبة بشكل خاص. وادعى سفير أبوظبي لدى روسيا أن قطر أعطت معلومات للقاعدة عن مواقع القوات الإماراتية في اليمن، وادعت صحيفة يومية سعودية أن قطر تآمرت مع إيران لتأجيل إعدام رجل الدين «نمر النمر» في المملكة، من خلال التفاوض على إطلاق سراح الصيادين القطريين في العراق. وشككت صحيفة «جلف نيوز» الإماراتية بشكل علني في مستوى السيولة المالية في قطر، ونشرت سكاي نيوز العربية، المملوكة من قبل أبوظبي وسكاي المملكة المتحدة، فيلما وثائقيا في يوليو/تموز تدعي فيه الكشف عن تورط قطري في هجمات 11 سبتمبر/أيلول. وقالت صحيفة عكاظ السعودية أن متجر «لندن دبارتمنت» المملوك من قبل قطر، كان يجمع تفاصيل بطاقات الائتمان الخاصة بالمتسوقين من دول الحصار.

وفي الوقت نفسه، في قطر، وصل الدعم إلى الشيخ «تميم» إلى ذروته. وهناك بعض الاتهامات القائلة بأن القصص التي تنشرها وسائل الإعلام المحلية تقلل من شأن الأثر الفعلي للحصار مع الإفراط في تقديم الدعم لدولة قطر في الخارج. ويعكس هذا النقص في وسائل الإعلام غير المنحازة في المنطقة المناقشات الجارية في الولايات المتحدة حول «الأخبار المزيفة» ومسؤولية وسائل الإعلام أمام جمهورها، وكذلك أمام القيادة السياسية.

خلق النزاع داخل عائلة آل ثاني

ولعل أكثر ما يثير الدهشة هو المحاولات المباشرة لتقديم حكم بديل في قطر. وكانت الصحافة الإماراتية والمصرية قد عرضت لأول مرة الشيخ «سعود بن ناصر آل ثاني» بصفته «شخصية معارضة رائدة في قطر». ووصفت الصحف المصرية في وقت لاحق عم «تميم»، الشيخ «عبد العزيز بن خليفة»، وزير الطاقة السابق الذي يعيش في جنيف، بأنه زعيم المعارضة المحتمل. والآن يبدو أن الشيخ «عبدالله بن علي» وبدعم من رجل الأعمال القطري «خالد الهيل»، الذي يتخذ من لندن مقرا له، هو الصوت الأساسي للمعارضة القطرية، حيث ساعد «الهيل» في تنظيم مؤتمر للمعارضة في لندن يوم 14 سبتمبر/أيلول. كما ان الشيخ «سلطان بن سحيم آل ثاني»، الذي يتخذ من باريس مقرا له، ظهر أيضا علنا، مؤيدا دعوات الشيخ عبد الله لإنهاء الأزمة من خلال اجتماع قطري داخلي، وانتقد موقف بلاده من الأزمة وسياساتها الخارجية السابقة.

وقد حدث انقلابان داخليان في عائلة آل ثاني في عامي 1972 و1995، لكن من غير المسبوق أن تعلق البلدان الخارجية على الترتيبات السياسية المحلية، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا الخلافة. ومن شأن التحرك نحو تشجيع تغيير النظام في قطر أن يزيد فقط من الحماس القومي الذي بدأ بالفعل، ويعزز الدعم للأمير «تميم». وعلاوة على ذلك، من خلال ربط الأزمة بعاهل قطر شخصيا، وحتى والده الشيخ «حمد»، فإن اللجنة دول الحصار المناهضة لقطر تساهم في تعزيز الارتباط الشعبي مع ذلك الزعيم.

العلاقات العائلية والقبلية المعقدة

وثمة عنصر اجتماعي رئيسي آخر للحصار يتمثل في صعوبة عودة المياه إلى مجاريها. وكما هو الحال في أماكن أخرى في الشرق الأوسط، تتداخل العلاقات القبلية مع الحدود الوطنية، مما يعني أن أفراد نفس القبيلة أو حتى العائلة نفسها، على الرغم من القرب الجغرافي، يعيشون في كثير من الأحيان في بلدان مختلفة. وتتعرض سبل العيش والثقافة بين القطريين الذين يعيشون في البحرين ومصر والسعودية والإمارات، فضلا عن مواطني تلك البلدان الذين يعيشون في قطر، للمشاكل والتعقيدات. وفي 19 يونيو/حزيران، أجبرت السلطات في البحرين والسعودية والإمارات المواطنين القطريين على مغادرة تلك البلدان، ومنذ 5 يونيو/حزيران، تم حرمان القطريين من دخول تلك الدول.

وبصرف النظر عن التكلفة الاقتصادية الواضحة، فإن المشاكل الاجتماعية الناجمة عن هذه السياسة دفعت المواطنين القطريين إلى الشعور بالاستهداف. واتهم الشيخ «سيف بن أحمد آل ثاني» دول الحصار بأنها «سمحت للسياسة بتعطيل النسيج الاجتماعي الذي يجمع مواطني دول الخليج». وتقدر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر أن أكثر من 13 ألف شخص يتأثرون بالحصار، بما في ذلك ما لا يقل عن 6500 أسرة مختلطة. وقد اعترفت حكومات البحرين والسعودية والإمارات علنا ​​بالآثار السلبية للحصار على الأسر المختلطة، وأقامت خطوطا ساخنة للطوارئ، إلا أن حجم المشكلة يجعل من الصعب ضمان إمكانية مساعدة الجميع. ومن بين 12 مواطنا خليجيا عرفتهم هيومن رايتس ووتش بأنهم اتصلوا بالخط الساخن، حصل اثنان منهم فقط على إذن بالسفر ذهابا وإيابا، في حين خشي خمسون آخرون من بين أولئك الذين أجريت معهم المقابلات الكشف هويتهم، لأنهم كانوا يعيشون في قطر. ولم تكن هناك استثناءات حتى في الظروف المتعلقة بالعلاج الطبي أو التعليم.

ولا يخضع مواطنو مجلس التعاون الخليجي فقط لهذه القيود، فكذلك لا يستطيع المصريون الذين لا يزالون في قطر الوصول إلى السفارة، مما يجعل من الصعب عليهم تجديد جوازات سفرهم، وبالتالي الحصول على تصاريح إقامة قطرية. كما شعر العمال المهاجرون بأثر الحصار. وقد سمحت المملكة سابقا للقطريين بجلب العمال الوافدين هناك لمدة ثلاثة أشهر مقابل رسوم. وبالتالي فإن بعض هؤلاء العمال تقطعت بهم السبل دون توثيق أو راتب مناسبين. وقد أثرت الزيادة في أسعار المواد الغذائية في قطر بسبب الحصار على العمال المهاجرين ذوي الرواتب المنخفضة.

وقد يؤدي تهور قيادات البلدان المشاركة في الحصار إلى نشوب صراع على الأرض. وأفادت صحيفة العربي الجديد في سبتمبر/أيلول عن ادعاء «رودني ديكسون»، المحامية في مجال حقوق الإنسان في المملكة المتحدة، بأن ثلاثة من القطريين قد سجنوا وضربوا وتعرضوا للتعذيب أثناء زيارتهم لدولة الإمارات. ومن جهة أخرى، ذكرت صحيفة «جلف نيوز» أن جماعات حقوق الإنسان في البحرين والسعودية والإمارات قد أدانت الانتهاك ضد القطري «حمد عبد الهادي المري»، الذي أفيد بأنه اعتدى عليه موظفون من وزارة الداخلية القطرية وألقي القبض عليه أثناء العودة من الحج.

مساحة للإسلاميين والإسلام

والسؤالان اللذان يكمنان وراء ادعاءات مساندة قطر للإرهاب هما، ما هو تعريف الإرهابي بالضبط؟ وأي نوع من الإسلام يعتبر مقبولا سياسيا داخل الخليج؟ فعلى سبيل المثال، فإن الشيخ «يوسف القرضاوي»، وإن كان مرتبطا بجماعة الإخوان المسلمين في الماضي، فإن لديه مؤيدين ليسوا أعضاء في تلك الحركة. وخطاباته وبرامجه التلفزيونية، عندما بثت، كان من الصعب الإشارة إليه كعضو في جماعة الإخوان المسلمين.

وقد ثبت أن الخلط بين الإخوان المسلمين في الدول المختلفة والإسلاميين العنيفين كان أمرا خطرا، ومنح هذه الحكومات عذرا أمنيا لقمع الإسلاميين السلميين. ولا يعد هذا الموقف المناهض للإسلام جديدا. ففي وقت مبكر من عام 2009، كشفت وثيقة من ويكيليكس أن «كونك عضوا في الإخوان المسلمين هي أسوأ صفة ممكنة في قاموس ولي العهد الأمير محمد بن زايد». وقد تجلى ذلك في إلقاء القبض على نحو 30 شخصية مستقلة من بينهم رجال دين بارزون في السعودية في سبتمبر/أيلول، في محاولة لتوطيد السلطة السياسية وتهميش المنافسين المحتملين. ومن المثير للاهتمام، أنه بعد فترة وجيزة من هذه الحملة، أصدر الملك «سلمان» مرسوما ملكيا يسمح للمرأة بالقيادة، وهو تغيير اجتماعي كبير غير متوقع، من المرجح أن يرتبط بالمحاولات السعودية لتحديث المملكة والفوز بحرب العلاقات العامة الجارية في الأزمة.

وتجعل كل هذه الآثار الاجتماعية من الصعب على نحو متزايد حل الأزمة الراهنة. وفي حين أن كانت الأسر الحاكمة في الماضي تهتم في المقام الأول بحل الخلافات وراء الأبواب المغلقة، يجري نشر الاتهامات اليوم وتداولها علنا، مع انعكاسات ذلك على السياسات المحلية والخارجية التي تلقي بظلالها على المواطنين في الجانبين. ولقد أصبحت الأزمة لا تتعلق بالسياسة النخبوية فحسب، بل أثرت أيضا على المشاعر الشعبية، وقد نتج عنها لونا جديدا من الهويات الوطنية القومية، في دول يمكننا القول أنها مستقلة حديثا.



إقرأ المزيد