كتابٌ حول المسيرة النضالية للطبيب الجزائري عبد العزيز خالدي
جريدة الوطن -

الجزائر ـ العمانية:
يُشكّل كتاب “عبد العزيز خالدي.. طبيبٌ على الثغور الفكرية” لمؤلفه نورالدين خندودي، شهادة موثّقة عن أشدّ مراحل الحياة الفكرية حرجاً في الجزائر.
وفي هذا الصدد، يؤكد خندودي في كتابه الصادر عن المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، أنّ خالدي (1917-1972)، جسّد نموذج “المثقف في السياسة”، حيث بدأ حياته كاتباً، وسرعان ما وجد في الصحافة ما يناسب موهبته، فانشغل بها وترك ما سواها. وخلال العشرية التي تلت استقلال الجزائر (1962-1972)، حرص على تقديم قراءة جريئة للأحداث في سياق ميّزه الصراع الفكري الشديد. وكان يعي أنّ العبر في المعارك وخواتيمها تتحدّد على الجبهة الفكرية.
ويوضح المؤلف أن كتابات خالدي ظلت صالحة، توصيفاً وتحليلاً، رغم تغيُّر الظروف والأحداث. مشيراً إلى الخصائص الأساسية لأسلوب خالدي ومن أبرزها مزجه بين التهكُّم والجدية في قراءة الأحداث. ويستعرض المؤلف تجربة خالدي مع الحزب الشيوعي الجزائري الذي أُنشئ عام 1935، إذ كان يستعدُّ للانتقال من الطور الثانوي إلى كلية الطب بفرنسا، وكان يُبدي اهتماماً بمجموعة من المطالب الشعبية. لكن اتّضح له، بعد ذلك، أنّ المشكل الذي يطرحه الاستعمار الفرنسي أمام الجزائر والإسلام، لا يمكن اختزاله في المسألة الاجتماعية، وأدرك أنّه لا مناص أمامه من ولوج العمل السياسي. ويتوقف المؤلف عند كتاب خالدي “المشكلة الجزائرية أمام الضمير الديمقراطي”، والذي سعى من خلاله إلى حشد الرأي العام العالمي ليُصبح حليفاً للمناضلين المعادين للاستعمار، وحاول فيه التأسيس لعمل سياسي معزَّز بعقلانية تتحاشى العموميات ومعوقاتها.
ويوضح أن خالدي نتيجة لعمله السياسي، تعرض سنة 1951 لمحاولة اغتيال بمدينة تبسة شرق الجزائر، على يد عميل للمخابرات الفرنسية. لكن هذا الحادث لم يُثنه عن مواصلة نضاله، حيث تحمّس أكثر إلى المشاركة في النقاشات الفكرية، والكتابة في صحيفة “الجمهورية” الجزائرية، التي كان ينشر عبر صفحاتها مقالات مرتبطة بالوضعية الاستعمارية، مع تسليط الضوء على تناقضات الساسة الفرنسيين. كما كانت له إسهامات صحفية في صحيفة “العمل” التونسية.
ويستعرض المؤلف سيرة خالدي الحياتية والعملية، إذ اشتغل بعد الاستقلال طبيباً بمدينتي سكيكدة وأم البواقي، وقد مكّنته مهنة الطب من تقريبه من صفة “الحكيم” في الأعراف العربية، أكثر من الطبيب، بالمفهوم الأمريكي المعتاد؛ فلم يكن يعالج الأجساد وحسب، بل أراد أن يسبر أغوار النفوس، وينظر في حياة البؤس والفقر التي آل إليها الكثير من سكان المناطق النائية التي خرجت للتوّ من أتون استعمار أتى على الأخضر واليابس. وحاول، بكلّ ما أوتي من قوة جسدية وفكرية، النهوض بأعباء مساعدة الفقراء، إلى أن وافته المنية سنة 1972.



إقرأ المزيد