ونست انها انثى !
سبلة عُمان -
السلام عليكم ورحمة الله

ونست انها انثى....


انتهت من دراستها الثانوية لتدخل أروقة العمل جاعله نصب عينيها ان ترفع من مستوى معيشة أهلها وان تساعد والدها الفقير على مصاريف الحياة ومتطلبات المعيشة الغالية ..
اندمجت بالعمل ونست انوثتها .. ركنتها في مكان بعيد عن عينيها حتى لا تضعف ان دق الحب قلبها عن هدفها الذي من اجله حاربت اخوالها وعمومتها .. ممنوع على البنت العمل والاختلاط مع الرجال، كل بنات العائلة مدرسات لما خرجتي عن القاعدة وانحرفتي للعمل الوزاري بين الذكور!

لم تستسلم ولم تترك لهم المجال ان يتحكموا في مصيرها ومصير عائلتها واخوتها، أصرت ودخلت العمل وتفانت بخدمتهم ونست انها انثي ! خلعت قلبها من صدرها والقت به في حفرة عميقه .. بعمق احلامها واتساعها .. وهبتهم ما تجود به نفسها كل ما تملك واخرجتهم من الفقر الى حياة جميلة ونظيفة يحلم بها كل انسان ... ونست انها انثى!

وبيوم عاصف بشهر فبراير نزل خبر وفاة والديها بيوم واحد عليها كالصاعقة زلزل كيانها ، حطم قوتها ، اثقل قلبها واتعب نفسها ، فقدت من كانت تلوذ بأحضانهم ، من تحكي لهم تفاصيل يومها ، من تتسامر معهم بالليالي المقمرة وتؤنس وحدتها بوجودهم ..
كانت تلك الأيام عصيبة ومؤلمة بان تفقد ركيزة بحياتها تستند وتتكئ عليها وقت ضعفها وهوانها!

فقدت والديها ، واخوتها تزوجوا واستقلوا بحياتهم الخاصة بعيدين عن بيت العائلة ولاهين عنها باطفالهم وبحياتهم الاسرية ...ولم يبقى الا ذكريات متضادة من الفرح والتعاسة والوجع ، ذاقت الحلو والمر بحياتها ان كانت وسط أهلها او بين أحضان من توهمت انه حبيبها ... ونست انها انثى!

قصص من حولها جعلها تحذر وتتحاشى التعامل مع الرجال .. فرضت قوتها وهيبتها وبالتالي ابتعدوا عنها، علاقات سحطيه مباشرة بالعمل .. ورسمية، اهابها الجميع وجعلت لهم خط احمر لا يتعدوه والا فالويل لهم ... ونست أنها انثى!

اخافها الحب واتعبها الزمن وشتت عقلها اقوالهم! أصبحت فوق الأربعين ، غزت التجاعيد وجهها وحفرت مكانها ومحت تقاسيمه الجميلة ، مسكينه لا تستحق كل هذا ! بها مسحة من الجمال تتباهى فيه ان لم تدركه الان لن تدركه ابدا! .. سمعتهم يقولون .. ويتهامسون ، أصبحت كبيرة وفاتها قطار الزواج !
عندها افاقت ونظرت الى المرأة .. رات بقايا انثى يقدر عمرها بالستين لا ينفعها ترميم ما عفا عنه الزمن
بهتت وصرخت وتعالت أصوات الندم على ما فرطت فيه بنفسها ، ماذا فعلت ومالي وحيدة ببيت لا حب فيه ولا حنان ولا دفء! هذه الكراسي والمرايا والطاولات وتلك الكتب هي جامدة مثل قلبي لا نبض فيها ولا حياه ، ماذا جنيت من كل تلك السنين ! أموالا طائلة بالبنوك، اسما لامعا! ضحكات زائفه منهم .. لم يكونوا معي صادقين! وان رحلت من سيذكرني ..من سيعرفني ومن سيخلد اسمي ! من يدعو لي بالرحمة ويقل غفر الله لها ومن يتصدق عني .. من! ... ونست انها انثى!

طرق قلبها .. لم تعرفة جيدا به مكر وخبث وعرف كيف يلعب بالبيضة والحجر .. وكما يقال بالأمثال ظل رجل ولا ظل حيط ! احبته وتعلقت فيه ولم تحاول البحث والسؤال عنه .. امطرها حلاوة بكلامه المعسول وبابتسامته الشفافة و بوسامته التي لن تقاومها من كانت بالعشرين فكيف وهي بالأربعين! حمل لها الاماني وسع السماء وفرش لها الأرض ورود وداعب مشاعرها بكلمات الحب والغرام وحرك فيها ضعف الانثى حتى رضخت وتناست قوتها وارتمت بأحضانه لتعوض تلك السنين العجاف لتسبق الزمن وتعيش فرحتها وتقطع الالسنة .. وتشعر انوثتها ببقايا جمالها الذي دفنته وهي بعز شبابها بين عملها واهلها .. طرز لها من النجوم عقد احلام من التمني والسعادة .. وحملها على اكف الراحة لعدة شهور ليرميها بكل هدوء وقد اخذ ما اخذ من مال وجاه ... ونست انها انثى!

جلست على كرسيها المتهالك بغرفتها وقد هد التعب جسمها .. القت حقيبتها ع الأرض وتسمرت عيناها على صورة قديمة لوالديها واخوتها الصغار معلقة بجدار غرفتها ، وتحجرت بالدموع .. ارخت راسها للوراء ، تنظر ضائعة الى جدران غرفتها الباردة مقلبه بصرها بكل الاتجاهات تبحث عن شيئا لا تعرفة و ربما قد تجد شيئا خفي عنها كل تلك السنين ... ! ونست اتها انثى!

تنتفض .. ترتعش أطرافها تسري برودة قاتله الى جسمها .. زائغة البصر تكلم نفسها تارة .. وتارة تخاطب الجدران! وصدى صوتها يرتد عليها خائبا ..يا الهي ماذا جنيت... لا شيء ! وحيدة انا بين جدران بيتي الصماء لا دفء فيها .. وحياة باردة ببرودة جسمي!

وحيده يسكن الخوف من المجهول قلبها، يغزو الشيب شعرها، تئن من الألم والوجع ، شاحبه نظراتها خائفة من شيئا ما ..لا تعرفه ! ربما لن يحس بوجودها احد، ربما ستموت وحيدة وستتحلل وستفوح رائحة نتنة من بيتها دون ان يلاحظ غيابها اخوتها! وستكون نسيا منسيا! ...تنهض متثاقلة من على كرسيها، تجر بأصابعها المرتجفة شرشفها الوردي الباهت.. وقد غطت به جسمها الواهن وتبتسم ابتسامه منكسرة من الألم .. ساخرة ..تحرق الدموع وجنتيها الواهنة ، اين اموالك وكد تلك السنين وانت تحفرين وتنقشي اسمك على الحجر ليكون لك مركز مرموق ومستوى معيشي تحلمين به وان يشار لك بالبنان !! .. ذهب هباء لهم.. وأين هم الآن منك! إلا يرونك وقد هد المرض حيلك وضعفت قوتك وأصبحت تقتاتين بالموجود أن وجد!

ما هذه الحالة التي وصلتي إليها ، وكيف اصبحتي اليوم بهذا الوجع والانين الذي لا يسمعه الا جدران بيتك المتهالك ! فقدت كل شيء ، لا تملكين الا كرسي متهالك وجدران باردة باهته .. وضوء سراج خفيف يكسر عتمة الليل ويشع لك بالامل .... واي امل !!

ونست انها انثى !!


رايكم يهمني ..

شكرا لكم


إقرأ المزيد