فضاءات الشعر .. سفر فـي تجربة زاهر الغافري وحكايات مع وهج الغربة والترحال
جريدة الوطن -

مسقط ـ الوطن:
يأتي كتاب (فضاءات الشعر.. فضاءات الحداثة)، نظرٌ في تجربة زاهر الغافري الشعرية، والذي تشكل من أعمال ندوة علمية محكمة، بتنظيم من قسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، بجامعة السلطان قابوس، بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، ليحدد غواية الشعر وهجرة الكتابة، وغيرها مما يجعل القارئ يتابع فضاءات تجربة الشاعر زاهر الغافري.
تنطلق رؤية الكتاب من مقدمة للدكتور محمد زروق، والتي أطلق عليها “غواية الشعر”، وهنا يقول زروق في رحاب مقدمته كانت تجربة زاهر الغافري الشعرية كونًا في اللغة وحياة في الترحال والتجربة، يتعقل حوادث الزمان ودواخل الإنسان، ويصوغها قولا أبعد في التخييل والخيال، فيتفاعل مع الآتي، ويتناصُّ مع الماضي ويتداخل مع الحاضر. هو الشاعر في صورته العربية التي عبر عنها ابن رشيق في العمدة “كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان، لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم”. ولئن فقد الشاعر شعبيته في الاحتفاء بوجوده، فإنه لم يفقد دوره في الوجود وإحساسه به.
ويؤكد زروق في بيان مقدمته أن زاهر الغافري فتح بشعره، صحبة قلة من الشعراء والأدباء، مجال الحداثة الشعرية، وهو لعمري أمر عسير في فضاء غلب عليه التقليد واستدعاء الماضي، شكلا. فقدم رؤيةً في إنشائية الشعر ودوره، تتناسق مع رؤى تحققت في الوطن العربي منذ الستينيات. ترفض البيئة كل حادث بالضرورة، وهو أمرٌ تاريخي ووجودي، ولكن التاريخ أيضا أثبت بقاء الحادث، وتحوله إلى نماذج تُحتَذى. ألم يُرفض شعر أبي تمام وقيل فيه “إن كان هذا شعر فكل ما قالته العرب باطل”، ثم عندما ظهرت حركة الحداثة الشعرية بخلخلة بنية القصيدة وشكلها الهندسي والعروضي والغرضي، رُفِضت، ثم عندما ظهرت قصيدة النثر صار شعر التفعيلة نموذجا، تلك هي سُنة الحياة، وحياة الأدب، فلا ركود ولا جماد.
في هذا الكتاب نرى أن محمد الغزي الشاعر والناقد والجامعي اهتم بتجربة الغافري كما يقول محمد زروق، وذلك إدراكا منه لتفاعل الشاعر مع اللغة الشعرية فرأى أن “قصائد الغافري، إذا استعرنا عبارة بعض النقاد الغربيين، ليست وليدة معنى سابق عن القصيدة، وإنما هي وليدة مرور أصابع الشاعر على معزف الألفاظ”، وتتبع اللفظ وطرق إجرائه وتحقيقه لشاعرية خاصة، وانتهى إلى أن الشاعر يصنع بهذه اللغة صورة لشاعر متوجس “يداهم العالم بالأسئلة عله يظفر ببعض العزاء ..ببعض اليقين”. فيما اختار الشاعر الباحث عوض اللويهي أن يهتم بشعرية الفضاء في ديوان “الصمت يأتي للاعتراف”، فإبان تحقق الفضاء في صيغه المعروفة، فأثار العلائق بين الصمت والفضاء وتآخيهما لصناعة شعرية الخطاب، وكذا فعل في صلة الفضاء بالهاوية، وتحقق مكونات الفضاء خاصة في صيغة المكان، وطرق تفاعلها داخل الخطاب الشعري، كما أثارت فاطمة الشيدية الشاعرة والباحثة والجامعية، مسألة في النقد حادثة وهي الدراسات الرقمية، فكان بحثها يحمل عنوان “البعد الرقمي في تجربة زاهر الغافري الشعرية”، نظرا في تجربة جديدة في الإبداع واكبتها في النقد قراءة جديدة، وهو التفاعل الآني بين الباث والمتقبل، وتعامل الشاعر مع واسطة للنشر فورية، فكيف يتهيأ الخطاب شعريا لتحمل هذه التحولات، التي دخلت على الصلة بين طرفي التخاطب. واهتم في الإطار ذاته الباحث الدكتور مبارك الجابري، بقضية مهمة في شعر زاهر الغافري وهي “اللهجة الجماعية” واختار ديوانا لاختبار بحثه وهو (حياة واحدة سلالم كثيرة)، فأجرى منهجا حادثا لا ينظر إلى العمل الأدبي بشكل معزول وإنما هو يُقاربه في تمام اكتماله دون عزله عن منزلة الشاعر المضاد الذي يُجري اللهجة شكلا من أشكال المقاومة في الشعر. ونزل الباحث شعر الشاعر منزلته الخليجية خاصة، ووصل بين السفر، والسفر والإقامة وصلة كل ذلك بتحقيق اللهجة الجمعية في شعر الشاعر.
في كلمة للشاعر العماني زاهر الغافري عنونت بـ”هجرة الكتابة” يؤكد فيها: كنت أريد أن ادخل إلى العالم بقوة المعرفة بقوة الشغف والجمال. ولأنني رجل تساوره الشكوك، فقد عشت حياتي بحرية. ليس الشعر سوى بالفهم إقامة في الأرض بالمعنى الهيدجري، ويضيف الغافري: هكذا بدأت تجربتي من الكتاتيب أو مدارس القرآن مبكرا في عمان في قريتي سرور ونفعا. وتتلمذت على معارف الشعر القديم، شعر ما قبل الإسلام الذي يطلق عليه الشعر الجاهلي، وهذا خطأ معرفي. وكتبت الشعر الكلاسيكي لكن النقلة الشبيهة بوثبة النمر كانت في بغداد الستينيات حينها تعرفت على بدر شاكر السياب ومحمود البريكان شعريا، والنقاشات المهمة على الصعيد الثقافي حتى جيل الستينيات والسبعينيات، وكتبت قصيدة التفعيلة، ثم مزقت بعض ما كتبت كما لو كنت ماموثا يخرج من حياته ليكتب قصيدة النثر، وفي حياتي حياة الترحال، كان الشغف يقودني للمعرفة شعرا وفلسفة ومسرحا وتشكيلا وسينما وموسيقى ثم الرقص، آه من هذه الدوخة التي ذكرها نيتشه وقدمتها ايزدوا دونكان ثم مارثا غرام ثم الألمانية بينا باوش، هكذا خرجت من القرية الصغيرة في عُمان لأعانق العالم وأتعرف على الكُتاب والشعراء والفنانين.



إقرأ المزيد