دراسة أدبية تقرّب كتّابا وأدباء عمانيين من عوالم الطفولة وحكايات السيّر الذَّاتية
جريدة الوطن -

مسقط ـ «الوطن»:
إنّ المتتبع لمسيرة الأدب العماني يجد أنه لم يكن بمعزل عن الأدبين العربي والعالمي، فقد كان له حضور واضح في كثير من المجالات الأدبية، ومن المجالات التي طرق العمانيون أبوابها أدب السيرة الذاتية، مع عدم إنكارنا لقلة إنتاجهم في هذا المجال.
حول الدافع لإيجاد كتاب «محكيُّ الطفولة في السيّرة الذَّاتية العمانيّة» للكاتبة العمانية أمينة البلوشية تقول مؤلفة الكتاب: لم يحظ جنس السيرة الذاتية في إطار البحث العملي بعمان.

بنفس الاهتمام الذي أولاه الباحثون لغيره من الأجناس الأدبية الأخرى، مثل: الشعر، والرواية، والقصة .. إلخ، وربما كان ذلك الدافع الأساسي الذي حملني على دراسة هذا الموضوع، رغبة في لفت الانتباه إلى هذا الجنس الأدبي، فقد تناولتُ في هذه الدراسة جانبا واحدا من الجوانب المتعددة لجنس السيرة الذاتية، وهو محكي الطفولة، والذي شكل ظاهرة واسعة في الأدب العربي وغير العربي، فاتحة الباب على مصراعيه أمام رؤى فكرية جديدة نأت عنها الدراسات السابقة، ومكتشفة جماليات ومكونات محكي الطفولة في السيرة الذاتية العمانية.
وتضيف الكاتبة البلوشية ضمن سياق حديثها : إنّ جلّ الدراسات التي مست جنس السيرة الذاتية تناولت مفهوم السيرة الذاتية، وتعالقها مع غيرها من صنوف كتابة الذات، وما عرفته من تطورات فنية قديما وحديثا، ولم أصادف فيما طالعت دراسة تناولت محكي الطفولة في السيرة الذاتية إلا دراسة واحدة، وهي: في طفولتي، وهي دراسة في السيرة الذاتية العربية للباحث تيتز روكي، وترجمة طلعت الشايب، تناول فيها الكاتب السيرة الذاتية الخاصة بمرحلة الطفولة لعشرين كاتبا من الكُتّاب العرب، منهم: طه حسين، وإبراهيم عبدالقادر المازني، وأحمد أمين، وميخائيل نعيمة، وبنت الشاطئ، وفدوى طوقان، ومحمد شكري، وغيرهم. رصد فيها ملامح طفولة عدد من الأدباء العرب، فقدم لنا دراسة تحليلية نفسية لطفولة عشرين مبدعا عربيا في تاريخ العرب الحديث منذ عام 1929م حتى عام 1988م.
أما فيما يخص الدراسات العمانية، فنجد أن من أوائل الدراسات التي تناولت جنس السيرة الذاتية في عمان، هي للباحث نصيب بن المر الصبحي، والتي جاءت بعنوان: السيرة الذاتية في الأدب العماني الحديث، وتعد هذه الدراسة الأولى من نوعها في مجال أدب السيرة الذاتية العمانية. ناقشت فيها الدراسة قضايا السيرة الذاتية في السير الذاتية العمانية، كما أنه درس الملامح الفنية لهذه النصوص، ودوافع كتابتها.
وقد كانت الدراسة الثانية للباحثة عزيزة الطائية، والتي جاءت بعنوان : الخطاب السردي العماني الأنواع والخصائص (1939- 2010). تناولت فيها جميع أنواع الخطاب السردي العماني بنسقيه التخييلي والمرجعي، وقد خصصت الباب الثاني من دراستها للأدب المرجعي الذاتي العماني.
أما الدراسة الثالثة فقامت بها الباحثة سالمة المرهوبية، وتعد هذه الدراسة أحدث دراسة تناولت موضوع أدب السيرة الذاتية في عمان، والتي جاءت بعنوان : الأنا والآخر في مذكرات أميرة عربية من منطلق المقارنة بين الأنا التي مثلتها الكاتبة (السيدة سالمة) من ناحية، ومثلها الشرق من ناحية ثانية، والآخر الذي مثله الغرب؛ لتحكي فيه عن الشرق وعاداته وتقاليده وممارساته وطقوسه، وتقارنها بما عرفته هي عن الآخر الأوربي عندما عاشت معه في الغرب.
وهنا تشير الكاتبة أمينة البلوشية إلى أهمية هذا الكتاب وتشير : بالنظر إلى موضوع الكتاب، اهتممتُ بما قدمته الدراسات السابقة في مجال كتابة السير الذاتية، واستندت في الوقت نفسه على ثلاث مصادر شكلت مادة الدراسة التطبيقية، وهي: بين الصحراء والماء لمحمد العريمي، وحياة أقصر من عمر وردة لعبدالله البلوشي، ومقنيات وطن وطفولة لعادل الكلباني، وعليه كان انتقاء هذه النصوص بعينها دون غيرها هو من قبيل التمثيل من جهة؛ لأن سيرهم الذاتية عبرت عن مرحلة واحدة من مراحل عمر الإنسان وهو الطفولة، ومن جهة أخرى لأنها مثلت ضرورة منهجية تسعى للإجابة عن الإشكاليات التي يطرحها البحث، وهي: ما المقصود بمحكي الطفولة؟ هل أصبح محكي الطفولة سمة بارزة في السير الذاتية العمانية؟ هل محكي الطفولة مكون واقعي أم تخييلي؟ ما العناصر الفنية التي تشكل محكي الطفولة؟ ما دوافع كتابة محكي الطفولة في السيرة الذاتية العمانية؟ ما الموضوعات المشتركة بين كتاب محكي الطفولة في السيرة الذاتية العمانية. وقد اعتمد هذا الكتاب في الإجابة عن هذه الإشكاليات المنهج الوصفي التحليلي في تحليل النصوص الثلاثة مع مراعاة صيغة الخطاب المكون للقصة في البناء السردي، وتحليل بنيته تحليلا يكشف أهم ملامحه الفنية. والهدف من ذلك هو إظهار مدى استجابة تلك السير للقضايا النظرية التي يتميز بها جنس السيرة الذاتية.
كما اعتمدت الدراسة أو هذا الكتاب خطة تضمنت مدخلا تمهيديا، ناقشتُ فيه مفهوم السيرة الذاتية، وتداخلها مع الأجناس القريبة منها، ونشأتها في الأدب الغربي، والعربي، والعماني، وتناولتُ في الفصل الأول موضوع الطفولة في الأدب العربي، ومفهوم محكي الطفولة، ودراسة هذه الظاهرة في الأدبين العربي والعماني، أما في الفصل الثاني فقد طرحتُ قضية الذاكرة والخيال في محكي الطفولة، وفي الفصل الثالث سعيتُ إلى إبراز العناصر الفنية في السرد التي تشكل محكي الطفولة، أما الفصل الرابع فاختص بتناول دوافع كتابة محكي الطفولة في السيرة الذاتية العمانية، والموضوعات التي تناولتها هذه المحكيات. هذا وخلص البحث إلى خاتمة تضمنت ما توصلتُ إليه من نتائج تدور في فلك الإجابة عن إشكالية الموضوع.



إقرأ المزيد