طفيلي.. تحفة بونج جون بعيدا عن الـ (هاليو)
جريدة الوطن -

هدفت كوريا الجنوبية عبر ما يعرف بـ”القوة الناعمة” الى أن تعتلي ثقافتها الشعبية قمة ثقافات دول العالم، بعد أن صدرت ثورتها الثقافية تحت مسمى “هاليو” في عام 1990، والتي انطلقت من أسيا ثم شملت فيما بعد باقي دول العالم.
تضم ثقافة الهاليو الأفلام والموسيقى ومختلف وسائل الترفيه بالإضافة الى الأزياء والمأكولات أيضا، وتعرف بتأثيرها القوي على المجتمعات.
وفيما يختص بالدراما والسينما داخل “الهاليو” فإنها تسعى لإظهار المجتمع الكوري في صورة مثالية، خاليا من الازمات وغارقا في الرومانسية كما هو الحال في أغلب المسلسلات الكورية، وهو ما يأتي مخالفا لطرح المخرج الكوري بونج جون هو، في أحدث اعماله الروائية التي حطم بها الأطر التقليدية لبلاده وهبط من خلاله إلى عمق الأحياء الفقيرة، ربما كانت رؤيته صادمة الا انها تعكس جوانب المجتمع الحقيقية على الأقل في وجهة نظره الشخصية.
تدور أحداث فيلم ” Parasite” أو طفيلي، حول عائلة من 4 أفراد جميعهم باحثون عن العمل، يكسبون بعض النقود مقابل قيامهم بطي علب البيتزا لأحد المطاعم القريبة من قبوهم الذي يعيشون فيه أسفل مستوى الشارع بحي فقير في كوريا الجنوبية، في وضع مزر غير صحي.
نراهم يحاولون منع المتسولين والسكارى من قضاء حاجتهم أمام نافذة القبو، بينما يرغمون على استنشاق المبيدات الحشرية خلال حملات البلدية، آملين في الحصول على تطهير مجاني للقوارض والحشرات التي تعيش معهم، وفي الأخير يتحايلون على هواتفهم لإلتقاط إشارة الإنترنت من الجيران، ورغم ذلك لم تكن تلك العائلة تفقد فكاهتها التي تخفف دوما من وطأة معاناتها والظروف القاسية التي تمر بها.
التمهيد وبناء الشخصيات أمر ضروري، يلجأ اليه مخرج الفيلم منذ البداية لكي يدرك المشاهد طبيعة تلك الشخصيات “الطفيلية” التي يشير اليها إسم العمل، حتى يتسنى له فهم دوافعهم ونواياهم فيما بعد.
يبتسم القدر لعائلة “كيم” حينما يحصل الابن البكر على توصية من احد الاصدقاء كمدرس للغة الإنجليزية لابنة عائلة “بارك” الثرية التي تقطن في فيلا فاخرة صممها أحد أشهر مهندسي المعمار في العالم. وسرعان ما يكسب “كي وو” ثقة الأم، ليتسلل على اثره باقي أفراد عائلته عبر سلسلة من الحيل والمكائد لتملق أولئك الأثرياء من أجل الحصول على وظائف للجميع. لتبدأ مرحلة إنتشار الطفيليات البشرية داخل هذا الكيان الثري.
يناقش طفيلي للمخرج بونج جون ـ المعروف انخراطه في المجال السياسي كعضو في الحزب التقدمي الجديد الكوري الجنوبي ـ الفروق الطبقية في المجتمع ومدى تأثيرها على سلوك افراده وطريقة منظورها وادارتها للحياة، وذلك سواء الطبقة الكادحة المعدمة، أو الأخرى البرجوازية. حيث ينجح بونج جون برؤيته الثاقبة وأسلوبه المميز في جمع التناقضات المجتمعية، ومايصاحبها من فجوات تتسع حين التقائها، لم تكن لتشعر بها العائلة الفقيرة من قبل، أبسطها تلك الرائحة العطنة الملاصقة لأجسادهم نظرا لمعيشتهم داخل القبو الرطب.
تتصاعد أحداث الفيلم وترتفع معها حالة التشويق التي تتسلل لتداعب عاطفة المشاهدين، حينما تدخل عناصر جديدة على خطوط العمل، فمدبرة الفيلا السابقة وزوجها المختبئ لـ4 سنوات داخل سرداب سري أسفل الفيلا ـ لا يعلم به ملاكها ـ
أصبحا يهددان وجود العائلة كيم بعد افتضاح أمرهم وكشف “لعبتهم الدنيئة” أمامها عن طريق الخطأ، ليبدأ الصراع الحقيقي ومعركة “الطفيليات البشرية” للبقاء داخل هذا الكيان المضيف وهي معركة منحته عمقا وقيمة عالية، طعمها بونج جون بحوارات شيقة طغت عليها كوميديا سوداء على وقع موسيقى تصويرية جاءت متناسقة مع كل حركة من حركات الكاميرا وإختيار موفق للألوان.
إبداع الممثلين في تجسيد الشخصيات وأداؤهم البارز خاصة “سونج كانج هو” في دور الأب الذي يعلم إبنه دروسا في الحياة وأنها “عبثية ولا جدوى من التخطيط خلالها”، يعكس تكامل سيناريو العمل وثراءه بالمضامين والمعاني التي تحوم في اذهاننا طيلة مدة الفيلم، خاصة عند اقترابه من نهايته التي حملت قدرا من الحقد و”الدماء” والسوداوية، يوازي كوميديته وسكينته.
طفيلي.. عمل ذكي وتجربة فريدة تمزج بين الدراما والتشويق والكوميديا السوداء والتراجيدية. لا يقدم حلولا لأزمات المجتمع بل يستعرض جوانب وخفايا النفس البشرية. ربما قضيته تبدو مألوفة، لكن الجديد هنا المعالجة السينمائية لبونج جون ورسم الصراع الطبقي الذي صيغ باحترافية على المستويين الفكري والبصري وكان سببا في تتويجه بـ”سعفة” كان الذهبية وربما سيهديه أوسكار أفضل فيلم أجنبي فبراير القادم.

رؤية: طارق علي سرحان
mr.tarek3010@hotmail.com



إقرأ المزيد