مفرادات التراث والثقافة والفنون علامة فارقة في المسيرة الحديثة لنهضة عمان
جريدة الوطن -

مسقط ـ “الوطن” :
شكلّت الثقافة العمانية التي ارسى دعائمها المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ أهمية قصوى كمكون أساسي لبناء نهضة عمان الحديثة فكانت رؤيته ـ رحمه الله ـ انها ركن أساسي من الهُوية الوطنية العُمانية، يرسّخ التفاهم والسلام بين الشعوب مؤكدا على ما يشكله التراث الفكري والثقافي للمجتمع العُماني باعتباره قاعدة للانطلاق لبناء الدولة العصرية ؛ حيث هدفت التوجيهات في سياق تلك الأهداف إلى تقديم رؤية تنموية ثقافية تبرز ذلك الاهتمام منذ بواكير النهضة المباركة حيث تضمن النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (101/96) في المادة (13) (ترعى الدولة التراث الوطني وتحافظ عليه) لذلك تم تخصيص عام 1994م عامًا للتراث، كما صادقت السلطنة على العديد من الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالتراث الثقافي غير المادي، إضافة إلى حرص السلطنة على المشاركة في الاجتماعات الدولية، وتسجيل العناصر الثقافية في قائمة التراث غير المادي في اليونسكو، كما انشأت السلطنة وزارة خاصة للتراث والثقافة تسهم في تعزيز القطاع الثقافي في عمليات التنمية المستدامة، والمحافظة على المخزون التراثي والثقافي للسلطنة واستثماره اقتصاديًا، إضافة إلى المؤسسات الثقافية الأخرى كمكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية و مؤسسات رسمية أخرى كديوان البلاط السلطاني، ووزارة شؤون الفنون التي أنشئت حديثا و مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، وغيرها من المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بهذا الجانب.
وقد أصدر جلالته ـ رحمه الله ـ في 27/2/2011م المرسوم السُّلطاني السامي رقم (18/2011) القاضي بإنشاء جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب تأكيدًا على الدور التاريخي لسلطنة عُمان في ترسيخ الوعي الثقافي باعتباره الحلقة الأهم في سلّم الرقيّ الحضاري للبشرية، ودعمًا من المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ رحمه الله ـ للمثقفين والفنانين والأدباء المجيدين.
كما حظيت المواقع التراثية والثقافية في السلطنة باهتمام بالغ وعناية كبيرة على كل المستويات، كما عملت المؤسسات الثقافية المختلفة على بناء علاقات ثقافية مع جميع الدول، والمشاركة في اجتماعات اللجان المشتركة والاجتماعات التي تعقدها المؤسسات والمنظمات، والمشاركة في الفعاليات والأنشطة الثقافية المختلفة، وإبرام المعاهدات والاتفاقيات الثقافية ، كما اهتمت السلطنة بتراثها وكنوزها التاريخية، وقد أدركت أهمية النهوض بالمتاحف، باعتبارها نوافذ ثقافية تطل على الماضي، ومفتاحًا لثقافة المجتمع، ويعد المتحف الوطني الصرح الثقافي الأبرز في السلطنة، والمخصص لإبراز مكنونات تراثها الثقافي، منذ ظهور الأثر البشري في شبه الجزيرة العربية قبل نحو المليوني عام، وإلى يومنا الحاضر، كما تفضل المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد المعظم بوضع حجر الأساس لمشروع “متحف عُمان عبر الزمان” في الحفل الذي أقيم بهذه المناسبة في موقع المشروع بولاية منح بمحافظة الداخلية، حيث يعمل على إبراز تاريخ عُمان عبر الزمان من خلال الصوت والصورة، وإبراز الحقب التاريخية العريقة التي شهدتها السلطنة، وصولًا إلى عصر النهضة المباركة، وما شهدته مسيرة النهضة من إنجازات مستمرة، إضافة إلى ما وهبها الله من طبيعة وتنوع جغرافي زاخر، وذلك بشكل تفاعلي وباستخدام أحدث التقنيات في العرض المتحفي.
كما تشارك السلطنة في مختلف المعارض الثقافية الداخلية منها والخارجية، ويعتبر معرض مسقط الدولي للكتاب أكبر احتفالية ثقافية على مستوى السلطنة، ويحظى بمكانة مرموقة على المستويين الخليجي والعربي، باعتباره واحدًا من أبرز معارض الكتاب الدولية، ويحمل امتيازًا دوليًا باعتباره من المعارض الرافدة لتدوير عملية النشر عالميًا.
وشكلّت الوثائق والمحفوظات شواهد حية لمسار التاريخ، ونتاج الفكر الإنساني في مجالات العلم والمعرفة بمختلف فنونها وفروعها، ولذلك أولت السلطنة هذا النتاج عناية خاصة، باعتباره يشكل ذاكرة غنية بما يحتويه من معارف وأفكار وقرارات واستدلالات توثق مسيرة العمل الوطني.
كما يسهم مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم بدوره في إثراء الحراك الثقافي والأدبي والفني الذي تشهده السلطنة، ويهدف المركز إلى التعريف بالثقافة العُمانية، وتوثيق الروابط وأوجه التعاون مع المؤسسات الثقافية في الدول الأخرى، حيث يتولى الإشراف على شؤون المساجد ومعاهد العلوم الإسلامية ومدارس القرآن الكريم، بجانب مسؤوليته عن مجمع السلطان قابوس للثقافة والترفيه بصلالة، ومركز عُمان للموسيقى التقليدية، وكلية السلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب. كما يتولى المركز مهمة الإشراف على كراسي السلطان قابوس العلمية، حيث تم إنشاء (16) كرسيًا وأستاذية وزمالة تحمل اسم المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ رحمه الله ـ تتوزع في (13) جامعة عالمية تتنوع مجالاتها بين العلوم الإنسانية والتطبيقية.
ومن أبرز المهام المنوطة بهذه الكراسي هو القيام بإجراء دراسات وبحوث مختلفة حسب مجالاتها المتعددة، والإشراف على طلبة الدراسات العُليا (ماجستير ودكتوراه) في المجالات المتخصصة فيها، إضافة إلى عقد الندوات والمؤتمرات وحلقات العمل العلمية. كما تجسد كلية السُّلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أداة فاعلة في تعزيز التواصل بين السلطنة والشعوب الناطقة بغير العربية وتسهم في توثيق الروابط وتقوية الأواصر بين ثقافاتها المتنوعة.
كما يشرف المركز على مسابقة السلطان قابوس للقرآن الكريم ، ويضطلع مركز عُمان للموسيقى التقليدية ببحث وتوثيق الفنون الموسيقية التقليدية العُمانية، وكذلك جمع الموروث الشعبي الغنائي الشفهي، وتسجيله وتوثيقه، كما تسهم وزارة شؤون الفنون ممثلة في الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية، والجمعية العُمانية لهواة العود، والجمعية العُمانية للتصوير الضوئي في تنشيط الحركة الفنية في السلطنة، وإبراز المشاركات العمانية على المستوى الإقليمي والعالمي.
ويسهم النادي الثقافي في تنشيط الحركة الثقافية في السلطنة، من خلال المواءمة بين مختلف الفعاليات الأدبية والثقافية والفكرية والعلمية التي تخدم توجهات المثقف وتفتح المجال له للتواصل مع رموز بارزة محليًا ودوليًا، ويُتيح البرنامج الوطني لدعم الكتاب فرصة النشر لكل من لديه نتاج أدبي أو فكري أو أكاديمي حقيقي، واستطاع النادي أن يقدم للساحة عددًا من العناوين في المجالات الثقافية والفكرية، كما أسهم في ترجمة النصوص العُمانية إلى لغات مختلفة، حيث طرح خلال العام 2019م مجموعة من الإصدرات باللغات الفرنسية والصينية والهندية والفارسية.
وبدوره سعى المنتدى الأدبي إلى إثراء الساحة الأدبية والفكرية والثقافية في السلطنة، من خلال إقامة العديد من الفعاليات والندوات الأدبية والفكرية والمناشط التي من شأنها تقديم إضافة معرفية، فضلا عن إصدارات الكتب التي شكلت قطافا مثمرًا لجهده السنوي في إقامة الندوات العلمية، إضافة إلى نتاج «مبادرة المنتدى الأدبي لدعم الكتاب العُماني». وأثرت الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء بدورها الساحة الثقافية بمجموعة من الفعاليات والمؤتمرات والندوات وتكريم الأدباء، ونشر الإصدارت والكتب التي بلغت خلال العام 2019م، (30) إصدارًا تنوعت بين الدراسات النقدية والدراسات التاريخية وأبحاث الندوات والشعر والقصص والمسرح والمقالات وأدب الرحلات، وأدب الطفل.
هذا بجانب “مسابقة الإبداع الثقافي السنوية” التي نالت اهتمامًا أكبر ومشاركات أوسع بين صفوف الكتاب والأدباء في السلطنة، وتعززت مكانتها بين المسابقات والجوائز الثقافية في السلطنة.
كما تعد دار الأوبرا السلطانية مسقط جسرًا وطيدًا للحوار بين الثقافات والمجتمع وفئاته المختلفة من جهة، وبين السلطنة والعالم من جهة أخرى، تجسيدًا لرؤية المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور رحمه الله من أجل إرساء القيم العُمانية الأصيلة والهوية العربية والإسلامية لعُمان، ومن أجل تخريج جيل واعد ومنفتح على ثقافات العالم، ومدركٍ لتنوعها وأهميتها.كما جاء افتتاح (دار الفنون الموسيقية) في 15/1/2019م لتكون بمثابة ملتقى للثقافات، ومسرحًا للحوار بين الحضارات الإنسانية وترسيخًا لقيم المحبة والإخاء والسلام.
وتتميز «دار الفنون الموسيقية» بشكل معماري فريد من حيث التصميم الذي يمزج بين سحر الشرق وتقنية الغرب وبين التراث والحضارة، وتشتمل على مسرح بكامل المواصفات العالمية المبهرة، ومركز ثقافي، ومكتبة موسيقية لأرشفة وتوثيق البرامج المقدمة على مسرحي الدار، إلى جانب قاعات متعددة للمعارض المؤقتة والدائمة.



إقرأ المزيد