نهضة شاملة شكّلت من تراث عمان العريق هوية الوطن والإنسان
جريدة الوطن -

مسقط ـ “الوطن” :
(إن مفهوم التراث لا يتمثل فحسب في القلاع والحصون والبيوت الأثرية وغيرها من الأشياء المادية، وإنما هو يتناول أساسا الموروث المعنوي من عادات وتقاليد، وعلوم وآداب وفنون، ونحوها مما ينتقل من جيل إلى جيل، وأن المحافظة الحقيقية على التراث لن تتم ولن تكتمل إلا بإعطاء كل مفردات هذا المفهوم حقها من العناية والرعاية)
قابوس بن سعيد
تأكيدا على الرؤية الحكيمة التي أسس أركانها المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ رحمه الله ـ اهتمت وزارة التراث والثقافة انطلاقا من المادة (13) من النظام الأساسي للدولة التي تقول (ترعى الدولة التراث الوطني وتحافظ عليه) باعتبار أن التراث عنصر أساسي في تشكيل الهوية الوطنية حيث عملت السلطنة في الاهتمام بعناصرها الثقافية ووضع الاستراتيجيات الخاصة المتعلقة بصوت هذا الموروث الثقافي العريق وتقديمه للأجيال.
وصادقت السلطنة على العديد من الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالتراث الثقافي غير المادي كاتفاقية 2003 لحماية وصون التراث الثقافي غير المادي، في 2005 م، واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي في 2007 بموجب، مما ساعد على اهتمام السلطنة بمختلف عناصرها الثقافية على المستويين المحلي والدولي، والعمل على وضع خطط الصون المناسبة لهذا الموروث الثقافي للمحافظة عليه من الاندثار ونقله للأجيال.
وقد حظيت المواقع التراثية والثقافية في السلطنة باهتمام بالغ وعناية كبيرة على كل المستويات، وسعت السلطنة للمحافظة عليها بالطرق والآليات العلمية والعملية التي تلتزم بالمواصفات العالمية، لما تحمله تلك المواقع التراثية من قيمة ثقافية وسياحية، حيث تعكس مواقع التراث المنتشرة في كافة محافظات السلطنة تاريخًا وحضارة امتدت لمئات السنين.
حيث واصلت وزارة التراث والثقافة جهودها الحثيثة في ترميم القلاع والحصون والحارات الأثرية، والنهوض بالمتاحف، والتنقيب في مواقع عصور ما قبل التاريخ، وتوثيق المعالم التاريخية والأثرية بعد استكمال أعمال الحصر، وتوشك أعمال صيانة حصن بركاء على الانتهاء حيث بني هذا الحصن على مرحلتين في أواسط القرن السابع عشر الميلادي، وهو يتميز بعمارته الدفاعية ويتجلى ذلك بارتفاع واجهاته وببرجه الثماني الزوايا بالإضافة إلى أربعة أبراج أخرى تتمركز بها المدافع والأسلحة، كما تتواصل أعمال الصيانة في حصن الحزم بولاية الرستاق، وجامع آل حمودة في ولاية جعلان بني بوعلي، ومسجد العوينة الأثري بولاية وادي بني خالد، ومسجد قرنة قائد بولاية سمائل، كما استكملت وزارة التراث والثقافة أعمال الترميم والصيانة في حصن السويق، واستمرارًا للجهود التي تبذلها الحكومة في العناية بكل المفردات التراثية والثقافية، دشنت وزارة التراث والثقافة في موسمها المنتهي العام المنصرم أعمال المسوحات والتنقيبات الأثرية من خلال 22 برنامجًا موزعًا على مختلف محافظات السلطنة بالتعاون مع المؤسسات العلمية والمحلية والدولية، إضافة إلى جامعة السلطان قابوس وجامعات ومؤسسات خارجية أخرى.
كما تستكمل “الوزارة” أعمال التنقيب الأثرية في موقع دبا بمحافظة مسندم الذي كشف عنه في عام 2012م من خلال تكثيف أعمال تنقيب في قبور من العصر الحديدي وبالتعاون مع بعثة من جامعة بولونيا للموسم الرابع، إضافة إلى استكمال التنقيب في القبر الثاني، والذي تم اكتشافه سابقًا والذي يعود إلى الألف الأول قبل الميلاد وشيد فوقه عدد من المقابر في فترات لاحقة.
كما ستقوم وزارة التراث والثقافة بمسوح وتنقيبات أثرية في موقع لزق بولاية المضيبي بمحافظة شمال الشرقية بالتعاون مع بعثة إيطالية من جامعة نابولي بخطة عمل ممتدة إلى خمس سنوات بهدف معرفة الاستيطان في المنطقة ولفهم أكثر لفترة العصر الحديدي حيث يعود هذا الموقع إلى الألف الأول قبل الميلاد.
وتواصل الجهود في أعمال التنقيبات الأثرية في موقع رأس الحد1 بولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية والذي يعد واحدًا من أهم المواقع الأثرية العائدة إلى الألف الثالث قبل الميلاد، والذي كشف عنه في التسعينيات من القرن الماضي والذي عثر فيه على الكثير من كسر الأواني الفخارية التي تعود إلى حضارة الهاربا بوادي الأندس بالهند بالإضافة إلى الخرز والأدوات الصدفية المصنعة والعديد من المواقد الحجرية.
وتواصل وزارة التراث والثقافة بالتعاون مع جامعة السوربون الفرنسية إجراء عدد من المسوحات والتنقيبات الأثرية في موقع المضمار بولاية أدم وموقع سلوت بولاية بهلا بمحافظة الداخلية نتيجة للاكتشافات المهمة التي عثر عليها والمتمثلة في اللقى الأثرية المميزة للعصر الحديدي، وذلك لفهم نمط البناء والهدف من إنشائه بالإضافة إلى إعداد خطة حماية للموقع وعمل لوحة معلوماتية عن الموقع ودراسة القطع الأثرية المكتشفة.
أما في موقع سلوت بولاية بهلا فتقوم البعثة بمواصلة الحفريات في البرج الحجري الضخم للموسم الثالث، وقد كشفت التنقيبات في الموسمين السابقين على وجود مبان حجرية خارج البرج ووجود خندقين يحيطان به، بالإضافة إلى مسوحات ودراسات في موقع قلعة آل الظبي في بسيا (المستوطنة والبرج).
كما تتواصل أعمال برنامج مسح سواحل بحر العرب والتي تهدف إلى توثيق ومعرفة الاستيطان البشري القديم على السواحل العُمانية من محافظة جنوب الشرقية إلى محافظة ظفار بالتعاون مع البعثة الفرنسية من المركز الوطني للبحوث العلمية، ويتركز العمل على القيام بمسوحات في كهوف ناطف وشربثات وجبل الصفايق، ومسح لجميع المواقع الأثرية المكتشفة سابقا لمعرفة مدى تأثير إعصار مكونو عليها كما ستقوم البعثة بدراسة الرسومات الصخرية في جبال القرى والقمر بولاية صلالة ودراسة الكهوف من عصر الهولسين. وسوف تستكمل البعثة أعمال المسوحات التي قامت بها في المواسم السابقة في ولاية جعلان بني بو علي ورمال الشرقية وبر الحكمان وجزيرة مصيرة والتي عثر فيها على مواقع أثرية تعود للعصر الحجري الحديث والعصر البرونزي والعصر الحديدي.
كما تتواصل أعمال المسوحات والتنقيبات في منطقة شياع بولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية بالتعاون مع بعثة معهد السهول والصحراء الفرنسي بهدف الكشف عن مستوطنات العصر الحجري وطبيعة الاستيطان فيها، وتقوم المؤسسة العلمية نفسها بتنقيبات أثرية وتصوير جوي في موقع خور جراما في ولاية صور وموقع أصيلة وذلك لمعرفة طبيعة الحياة الجنائزية في فترة الألف الثالث قبل الميلاد، وتتواصل أعمال التنقيب في موقع رأس الجنز بولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية للموسم الثاني على التوالي في هذا الموقع الذي يعود لفترة العصر البرونزي، وتهدف البعثة من هذا المشروع إلى تحديد موقع ميناء رأس الجنز التجاري القديم والذي قام بدورٍ في التجارة مع حضارات الأندس وبلاد الرافدين.
كما يتم تنفيذ مشروع دراسة النظم الاجتماعية والبيئية والغطاء النباتي والنظم الرعوية التي كانت سائدة في العصور القديمة وتأثيرها على المجتمعات المحلية في محافظة ظفار، ويعد هذا المشروع واحدًا من أهم المشاريع التي تجريها الوزارة ويمتد إلى خمس سنوات، كما تقوم البعثة بمسح وجمع عينات من الوبر الصخري من الملاجئ الصخرية والتجاويف في المناطق الجافة شمال وادي ذهبون وتتبع نمط رعي قطعان الحيوانات.
وتواصل وزارة التراث والثقافة أعمال التنقيب في موقع الشكور الأثري بولاية ضنك بمحافظة الظاهرة العائد إلى الألف الثالث قبل الميلاد بتنقيبات أثرية في قبر من فترة أم النار ومقابر أخرى من فترة وادي سوق (2000-1300 قبل الميلاد) لمعرفة نمط النشاط الاجتماعي والاقتصادي السائد في المنطقة خلال العصور الحجرية والبرونزية، وتتواصل ايضا عمليات التنقيب في موقع عقير الشموس الأثري في ولاية ينقل بمحافظة الظاهرة والذي يعد أول موقع أثري مرتبط بإنتاج أواني الحجر الصابوني مكتشف على مستوى السلطنة والخليج العربي. كما تتواصل المسوحات والدراسات الأثرية في موقع الراكي بولاية ينقل بمحافظة الظاهرة الموقع الذي يرجع للألف الأول قبل الميلاد.
كما تقوم وزارة التراث والثقافة بمواصلة إجراء المسوحات في توثيق المواقع الأثرية في وادي الجزي بولاية صحار بمحافظة شمال الباطنة حيث ستكون الدراسات الحالية أكثر عمقًا وستوثق جميع الشواهد الأثرية بالإضافة إلى دراسة تاريخ الاستيطان من خلال دراسة الطرق الجبلية القديمة والنحاس في صحار ودراسة طرق الري في المنطقة والمعتقدات الجنائزية.، كما ستقوم البعثة الأثرية بتنقيبات في بعض البيوت والمقابر والمواقع التعدينية التي تم اكتشافها سابقا في وادي فزح وعلى طول وادي الزهمي بولاية لوى.
وتقوم بعثة مشتركة باستكمال تنفيذ أعمال المسح والتوثيق في ولايات الرستاق والمصنعة والسويق بمحافظتي شمال وجنوب الباطنة، ودراسة العينات الأثرية المكتشفة في المواسم السابقة بهدف الخروج بدراسة نهائية متكاملة لأعمال المسوحات الأثرية.
كما تستكمل البعثة المشتركة بين جامعة السلطان قابوس والمتحف البريطاني أعمال التنقيب في موقع حصن الفليج بولاية صحم بمحافظة شمال بهدف معرفة التفاصيل الإنسانية لهذا المبنى.
وتتواصل أعمال التنقيب في مواقع فترة العصر البرونزي في منطقة الخشبة بولاية المضيبي والذي يحوي أقدم ورش صهر وإنتاج النحاس في عُمان مع بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، كما سيتم عمل مسوحات في موقع طوي سعيد في ولاية القابل الذي تم اكتشافه سابقا من قبل بعثة بريطانية من القرن الماضي.
وتقوم “التراث والثقافة” بالتعاون مع جامعة توبنجن الألمانية وجامعة أكسفورد البريطانية بعمل مسوحات أثرية في مواقع حجرية تم رصدها أثناء المسوحات التي تقوم بها البعثة البريطانية بين ولايتي عبري بمحافظة الظاهرة والرستاق بمحافظة جنوب الباطنة في حي السرح والثاني تجويف صخري في ولاية عبري تم العثور أمامه على قطع حجرية يعتقد أنه أول موقع يحوي تسلسل الطبقات الاستيطانية والثاني في شبه الجزيرة العربية، حيث يعد موقع قميرا بولاية ضنك بمحافظة الظاهرة واحدا من أهم مواقع العصر البرونزي الواقعة على طريق تجارة النحاس القديم وهذا ما دلت عليه المباني الحجرية الضخمة المتمركزة على مسار الطريق.
وتقوم وزارة التراث والثقافة بالتعاون مع معهد البحوث الإنسانية والاجتماعية الياباني بتنفيذ مشروع استدامة الثقافة لثلاثة مواسم، حيث يهدف المشروع إلى توثيق الشواهد الأثرية في منطقة تنوف بولاية نزوى بمحافظة الداخلية وعمل قاعدة بيانات عنها، بالإضافة إلى القيام بالتنقيب في كهف يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد حيث تم العثور على أدلة استيطانية داخل هذا الكهف، كما تتعاون الوزارة مع بعثة أثرية من جامعة ماسارياك من جمهورية التشيك لعمل مسوحات للموسم الأول في بحيرة جافة واقعة في جبل سنت بولاية بهلا بمحافظة الداخلية، ويعتقد بوجود مستوطنات قديمة حولها من العصور الحجرية، بالإضافة إلى ذلك سيتم دراسة شواهد الأحجار الثلاثية في منطقة الدقم والتي تعود لنهاية العصر الحديدي ويعتقد أن لها علاقة بطرق التجارة القديمة أو استخدمت كعلامات استدلالية لهذه الطرق.
وقد أنهت وزارة التراث والثقافة العام المنصرم المرحلة الخامسة من أعمال ترميم مدينة قلهات الأثرية ، حيث كانت واحدة من الموانئ الرئيسية لتجارة المحيط الهندي في فترة ازدهارها خلال الفترة بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر الميلادي، وقد ادرج هذا الموقع على قائمة التراث العالمي في عام 2018م، ضمن خطة عمل “مشروع تطوير قلهات”، حيث تعتبر المدينة الأثرية أحد أهم مواقع التراث الثقافي في السلطنة، التي تعود فترة تأسيسها إلى القرن الحادي عشر الميلادي



إقرأ المزيد