كتاب ” الجمال الصوتي” ارتحال حيث الرؤى الفقهية والنصوص الدينية حول الغناء والمعازف
جريدة الوطن -

كتب ـ خميس الصلتي:
يأتي كتاب “الجمال الصوتيّ: تأريخه ورؤيته الفقهيّة، مراجعة في النّص الدّينيّ حول الغناء والمعازف” للكاتب والباحث العماني، الصادر عن الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء للقارئ الكثير من المشاهد والرؤى حول جماليات الصوت والغناء والمعازف، وما أثير حول هذا الأمر من جدال ومناقشات، ومن خلال يقترب العبري بصور أكثر واقعية تحاول البحث والتقصي في شأن التحليل والتحريم ..
وحول عنوان الكتاب والسفر في عوالمه يقول الكاتب بدر العبري مؤلف الكتاب: يعود أصل عنوان الكتاب إلى مسمى “الغناء والمعازف بين الحلّ والتّحريم: دراسة تأريخيّة فقهيّة روائيّة”، حيث إنني قدّمته كبحث تخرج من كليّة العلوم الشّرعيّة، وكان الرّبط بين التّأريخ والنّص، لما في التّأريخ من أثر في إسقاط النّص من جهة، وفي وضع نصوص تساير الوضع التّأريخي إيجابا وسلبا من جهة ثانية، فيدخل الأول في التّأريخيّة، ويدخل الثّاني في التّاريخانيّة، وجميعها نتيجة الاستخدام السّلبيّ أدّى إلى النّظرة السّلبيّة من خلال الجماهيريّة، حتى حكى العديد الإجماع، فانبرى مجموعة من الأوائل في نقض الإجماع والأدلّة كابن حزم [ت 456هـ]، والغزاليّ [ت 505هـ] والشّاذليّ [ت 882هـ]، وغيرهم، إلا أنّ الشّوكانيّ [ت 1250هـ] خصّص مؤلفا لهذا عنونه: “إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السّماع”. بيد أنّ هذه الآراء الإيجابيّة لم تلق قبولا عدا في الاتجاهات الصّوفيّة، أو بعض السّياسات المنفتحة نوعا ما، حتى أتت الصّحوة الإسلاميّة، ولبست لباس السّلفيّة المتشددة، فصوّرت الجانب السّلبيّ المطلق المجمع عليه في هذا الجانب، ورتبوا عليه التّفسيق والبراءة، وضيّقوا المسّألة بشكل كبير، وأصبحت من قضايا الدّين لا الرّأي، فلهذا نتيجة التّشدد الكبير الّذي عايشته وأنا في مقتبل الطّلب والعمر أي في نهاية القرن العشرين وبداية الألفيّة مع وجود أصوات أكثر انفتاحا إلا أنّها كانت حينها خجولة، أو ينظر إليها نشازا، فبدأت أكتب في هذا الجانب وأبحث فيه، وكان الهدف من البحث ليس الوصول إلى الحلّ أو الحرمة بالشّكل المطلق، بقدر ما كان الهدف إثبات أنّ هذه المسألة من مسائل الرّأي الواسعة الّتي لا يترتب عليه تفسيق ولا براءة. ثمّ لمّا تقدّم الزّمان رأيت النّظر في الموضوع من جديد، ولكن من باب فلسفة الجمال، مع التّوسع بشكل أكبر في الجانب التّأريخيّ والظّرفيّ، ومبحث الأدلّة، لهذا كان العنوان: الجمال الصّوتيّ، مربوطا بالجانب التّأريخيّ، والرّؤى المنفتحة، ثمّ الانطلاق إلى الجانب الفقهيّ والرّوائيّ، وبعض التّطبيقات المعاصرة.

تطور الغناء
وحيث الغناء وتطوره في التأريخ، يستنتج الكاتب بدر العبري عددا من الأمور وهنا يشير: في الحقيقة تطرّقت إلى الغناء وما يستخدم فيه من آلة منذ بداياته الأولى، وكما أسلفت في الكتاب أنّه شيء فطريّ، فأوتار حنجرته، ودقات يديه، وضربات أقدامه؛ أول آلة استخدمها الإنسان، كما أنّ قسوة الطّبيعة وشدّتها جعلته يبحث عمّا يسلي به نفسه، فكانت المحاكاة، فهنا قام بصنع آلات محاكاة للطّبيعة، وتسهيلا في ذلك، فبدأت تتطور شيئا فشيئا من الحضارة المصريّة القديمة وحتى الإغريق الّذين حولوه إلى علم قانونيّ وفلسفيّ، وبدأ في عصرهم تنشأ فلسفة الجمال.
ويضيف العبري في ذات السياق: الذي يهمنا هنا العصر الجاهليّ والنبويّ لارتباط ذلك بنزول النّص، ثمّ ما بعده خصوصا الأمويّ والعباسيّ لارتباطه بتدوين النّص، ووضع نصوص جديدة مسندة إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – أو إلى الصّحابة والتّابعين، أو إلى آل البيت، كما ارتبط العصر العباسيّ خصوصا بالانفتاح السّياسيّ والفلسفيّ، خصوصا في عصره الأول، والانغلاق السّياسيّ والدّينيّ خصوصا في عصره الثّاني، ومع هذا تطرقت أيضا إلى الأمويين في الأندلس وظهور الموشحات وانتقال الفلسفة الجماليّة الإغريقيّة والإسلاميّة إلى أوروبا، والفاطميين وظهور الموالد، والأيوبيين والمماليك والصّفويين والعثمانيين، ثمّ عصر النّهضة والتّنوير، وأخيرا العصر الحديث، كما أنني خصصت مبحثا عن التّأريخ العمانيّ، وخصوصا ما يتعلّق بالسّلام السلطانيّ، ومتى نشأ، وما أقدم قطعة وطنيّة عمانيّة.

الجمال في المنظور القرآني
المتتبع للكتاب سيجد بابا مهما في هذا الكتاب تحت عنوان “الجمال في المنظور القرآني”، وهنا يقربنا الكاتب بدر العبري بقوله: في الحقيقة ربما يكون الغزاليّ [ت 505هـ] من أوائل من التفت إلى هذا ولكن في شكله الكونيّ المطلق، وكذا إخوان الصّفا وخلان الوفا في رسائلهم، إلا أنّ محمّد عمارة [ت2020م] تطرّق إلى الجمال القرآنيّ في كتابه “الإسلام والفنون الجميلة” بشكل أوسع، وتابعه القرضاويّ [معاصر] في كتابه “الإسلام والفنّ”، ومن أتى بعدهما فهم عالة عليهما.
لهذا ذكرت في الكتاب أنّ عمارة يرى أنّ “الآيات القرآنيّة تنطلق بالإنسان بداية إلى جمال الكون، والإنسان أمر بالنّظر إلى الآيات الكونيّة والتّمتع جماليّا بها، كما عرّج عمارة إلى نماذج عملية للجمال النّبويّ كمثل تسريحه – صلّى الله عليه وسلّم – لشعره، وتزينه وتعطره، وظهوره الجماليّ في لباس وحسن هيئته، واختياره لأصحابه الاسم الحسن، وكان يحب الجميل من الطّعام، بلا تقتير ولا إسراف، وحبّه للصّوت الحسن، وتحببه إلى خدمه وحسن معشره، وعدم إنكاره على النّاس في لهوهم في أعيادهم، أي ما يسمى اليوم بالفنون الشّعبيّة”. وعليه القرآن يقرر نظريّة الجمال، ومن الجمال الجمالُ الصّوتيّ، فلا يمكن الحال أن ينظر إليه بسلبيّة مطلقة.

تفنيد الغناء والمعازف
في هذا الكتاب يحاول الكاتب بدر العبري تفنيد الغناء والمعازف وقربها من المدارس الفقهية وهنا يشير بقوله : في الحقيقة تطرقت إلى المذاهب الفقهيّة الثّمانية، من الإباضيّة فالزّيدية فالجعفريّة الإماميّة، ثمّ المذاهب الأربعة الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، وأخيرا الظّاهريّة، وحاولت تتبع آرائهم قديما وحديثا، ومع وجود الرّأي السّلبيّ الأكثر بروزا إلا أنّها لا تخلو من آراء أكثر انفتاحا قديما وحديثا، إلا أنّ الرّأي الإيجابيّ أصبح الأبرز حديثا، مع استثنائنا للظّاهريّة حيث يكاد يتفقون على الجواز والإباحة. بعدها تطرقت إلى مبحث الأدلّة بداية من القرآن فالرّواية فقول الصّحابة، ثمّ الإجماع وسدّ الذّرائع بشكل موسع، وخلصت إلى “أنّه لا يوجد دليل صريح لمنع الغناء والمعازف أو تحريمه، وإلا لذكره الله في كتابه صريحا، وما جاء من نهي لا يخرج عن دائرة العليّة السّلبيّة، فإن ارتفعت عاد إلى أصل الإباحة؛ لأنّه من الجمال الذّي بثه الله تعالى في مخلوقاته، وما حاكاه الإنسان في صنع آلات وأشعار تناغم هذا الجمال، حتى تحول إلى صنعة وعلم يدرس ويتقن، وهذا لا يعني أنّه ليس للبشر حق التّقنين بما يحفظ المقاصد الخمس أو السّت الّتي تدور حولها مقاصد التّشريع والتّقنين”.

فلسفة الجمال
وهناك فلسفة عامة للجمال تفسر ماهية الغناء في عصور متقاربة وهنا يشير الكاتب بدر العبري إليها بحديثه: نعم، لعلّك تقصد فلسفة وعلم الجمال، وذكرت ذلك في الكتاب مع الإشارة إلى المصادر في الكتاب – أنّ “علم الجمال ينتمي إلى علوم الفلسفة، وهو أحدث فرع فيها، ويسمى الاستاطيقا Aesthetics، حيث يرجع هذا العلم إلى نهاية القرن الثّامن الميلاديّ عند الفلاسفة الإغريق، وترى أميرة حلمي مطر [معاصرة] أنّ الجمال والفن نشأ مع وجود الإنسان، إلا أنّه كعلم فلسفيّ نشأ مع نشأة فلاسفة علماء اليونان القدماء ، والجمال في الإنسان وعشقه له فطريّ غريزيّ، لذلك حاول البحث عنه وفهمه ومن ثمّ تقليده، أمّا تقليده فله صور عديدة من ذلك جمال اللّباس، واللّباس تقليد للباس الطّبيعة، وحاول الإنسان تطويره في أشكاله ورسوماته، وتعدد اللّباس في ذاته فنّ إنسانيّ بديع، كذلك قلّد جمال الطّبيعة في صنع بيته والتّفنن فيه، ممّا اعطى للهندسة المعماريّة ذوقا جماليّا وفنيّا، وحاول أيضا تقليد أصوات الطّبيعة في صنع الآلات والألحان، وابتكار المقامات والقواعد الموسيقيّة، بجانب الإبداع الشّعريّ وقواعده، والفنون الشّعبيّة، وفي المقابل كان التّصوير والنّقش والرّسومات الفنيّة، أمّا الجمال كفلسفة وعلم فهو متأخر عن الفنّ، والعلاقة بين الغناء والمعازف من حيث قيمة الجمال، أنّ الأول صورة من صور تقليد الطّبيعة ومحاكاتها في جمال الصّوت، والمقامات الموسيقيّة لها أوازن كالعروض في الشّعر الفصيح، والمنطق في الخطاب والجدال، والنّحو في القراءة والكتابة، والصّرف في الحديث والخطبة، لهذا لا يمكن تحليل الجانب التّأريخيّ بعيدا عن هذه الفلسفة الجماليّة”.



إقرأ المزيد