تفاصيل الجزر التي عادت ملكيتها للسلطنة بعد 113 عامًا من إهدائها
أثير -

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

“أبلغت بريطانيا الأمم المتحدة اليوم أنها تخلت عن ادعاءاتها الخاصة بامتلاك ثماني جزر تقع تجاه شاطئ شبه الجزيرة العربية، وأنها جميعًا جزء من جمهورية جنوب اليمن الجديدة، باستثناء جزر كوريا موريا التي اختارت الانضمام إلى مسقط، على أساس أنها لم تكن ترتبط بعدن”.

هذا نص خبر صحفي نشرته جريدة الأهرام المصرية في الثاني من ديسمبر من عام 1967 ويتعلق باعتزام بريطانيا التخلي عن عدد من الجزر التي كانت تديرها في منطقة شبه الجزيرة العربية، وما يهمنا هنا هو الجزء المتعلق بإنهاء إشرافها على جزر كوريا موريا (الحلانيات) بعد حوالي 113 عامًا من امتلاكها بعد أن تم إهداؤها لهم من قبل السلطان سعيد بن سلطان سنة 1854 في إطار العلاقات الوديّة بين البلدين.

“أثير” تستعرض في هذا التقرير ملامح من تاريخ هذه الجزر منذ سنة 1854 وحتى معاهدة تسليم الجزر لحكومة مسقط في سنة 1967، حيث سيتم استعراض بعض المعلومات حول موقع الجزر ومكوناتها، وبداية الاهتمام البريطاني بها وأسبابه، وأبرز الأحداث التي ارتبطت بها، واستعراض تقارير بعض من زارها من المسؤولين البريطانيين، ومعاهدة التنازل سنة 1967، وموقف اليمن الجنوبي (وقتها) من المعاهدة والتنازل.

جزر الحلانيات(كوريا موريا سابقًا)

تتكون الحلانيات من خمس جزر صخرية تقع في بحر العرب إلى الجنوب من شليم مقابل نيابة الشويمية وتبعد عن مركز الولاية بمسافة 41 ميلا بحريا تقريبا، كما تبعد عن نيابة حاسك التابعة لولاية سدح حوالي 50 كيلومترا وتقدر المساحة الإجمالية لجزر الحلانيات بحوالي 45 كيلومترا مربعا، وتعد (جزيرة الحلانية) ومساحتها 25 كيلومترا مربعا أكبر هذه الجزر وتتوسطها، وتقع شرقها جزيرتا القبلية وغرزوت، أما غربها فجزيرتا السودة والحاسكية، وتعد جزيرة الحلانية الجزيرة الوحيدة المأهولة بالسكان.

تتميز تلك الجزر بالتنوع التضاريسي الهائل من الصحاري والمرتفعات والعيون والخلجان والرؤوس البحرية والشواطئ وتشتهر جزر الحلانيات بطيورها وأغنامها وكذلك السلاحف البحرية النادرة والأسماك الكبيرة الموجودة في كل جزيرة من خمس جزر بكثرة.

بداية الاهتمام البريطاني بالجزر

بدأ الاهتمام البريطاني بتلك الجزر بعد مرور الكابتن أورد (Ord) قائد إحدى السفن التجارية البريطانية بها سنة 1844م، حيث اكتشف أورد وجود نوع معين من السماد الذي يطلق عليه الجوانو Guano ، وعند عودته إلى لندن أطلع كلارندون وزير الخارجية البريطاني بأهمية ذلك لبريطانيا.

بعد ثبوت مصلحة بريطانيا بامتلاك تلك الجزر، طلب وزير الخارجية من الميجور هامرتون إجراء تحقيق عن الوضع العام فيها، وبناءً على ذلك استدعي الكابتن فريمانتل Fremantle  إلى وزارة الخارجية، وأعطي التعليمات بالذهاب إلى زنجبار والتحقق من هامرتون فيما إذا كانت تلك الجزر من متعلقات السيد سعيد، وإذا كان الأمر كذلك عليه أن يقترح بمساعدة هامرتون تنازل السيد سعيد لأنها ” عديمة الفائدة له إطلاقًا”، بينما هي ذات فائدة عظيمة لبريطانيا ” كمحطة ربط بين بومباي وعدن”، وخوّل فريمانتل أن يعرض على السلطان مبلغًا وقدره عشرة آلاف باوند إسترليني.

بعد وصول فريمانتل إلى زنجبار، زوده الميجور هامرتون برسالة إلى السلطان سعيد الذي كان في مسقط، وتنفيذًا للمهمة الموكولة إليه توجه فريمانتل إلى مسقط لمقابلة السلطان سعيد، وعن نتائج تلك المقابلة يذكر فريمانتل:

” لقد استقبلني باهتمام بارز، وبأسلوب المجاملة واللطف الذي يميز صلته بالشعب الإنجليزي مبديًا استعداده بتقديم رد فوري على أي اتصال مع حكومة صاحبة الجلالة “، ويضيف فريمانتل أن السيد سعيد بعد أن قرأ رسالة الميجور هامرتون لم يتردد في الجواب الذي كان إيجابيًا بكل معنى الكلمة، وكان رد السيد أنه ” إذا احتاجت صاحبة الجلالة إلى أي جزء من ممتلكاته أو كلها سواء في الجزيرة العربية أو في أفريقيا، فإنه سيكون مسرورًا لتسليمها لها”.

بل إن السلطان رفض فكرة التعويض وكتب وثيقة تنازل سريعة، وفي 14 يوليو 1854م وقعت هذه الوثيقة من السلطان سعيد، وفريمانتل شاهدًا عليها وتضمنت: ” من سعيد بن سلطان إلى كل من يرى هذه الوثيقة سواء كان مسلمًا أو غيره.. لقد وصلني من الأمة القوية (إنكلترا) الكابتن فريمانتل من الأسطول الحربي للمملكة العظمى طالبًا مني جزر كوريا موريا …. وإني هنا أسلم للملكة فيكتوريا الجزر المشار إليها لتصبح ممتلكات لها أو لوارثيها أو خلفائها من بعدها، وكبرهان فإني أثبت توقيعي وختمي، أصالةً عن نفسي وابني من بعدي…”.

ويبدو أن تسليم السلطان سعيد للجزر لم يكن من قبيل الضعف أو المهادنة؛ بقدر بعد نظر السلطان ورؤيته للأمور من زاوية المصلحة العامة، فالجزر قد لا تكون بتلك الأهمية الاستراتيجية الكبيرة بالنسبة له، ويمكن الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية أكبر في حالة تسليمها للبريطانيين، خاصًة وأن السلطان كان يحرص على التوازن في علاقاته الدولية، ويدرك في الوقت ذاته قوة بريطانيا وأهميتها السياسية، وقدرتها على إدارة الأحداث السياسية والاقتصادية العالمية في ذلك الوقت.

اهتمام الصحافة البريطانية

أبدت الصحافة البريطانية اهتمامًا كبيرًا بموضوع جزر كوريا موريا، وبحسب الباحث سعيد بن خالد العمري فإن الصحافة البريطانية تناولت مسألة تنازل السيد سعيد عن الجزر، ونقل وبيع سماد (الجوانو) من هذه الجزر للمزارعين والشركات في بريطانيا، في (9945) مادة إخبارية موزعة على (8470) مقالة و(1475) إعلانًا تجاريًا في عشرات الصحف خلال الفترة ما بين 1856-1862.

أحداث عام 1904

شهد عام 1904 حادثة تحطم إحدى السفن الإنجليزية على صخورها، حيث كان س. بارون انيردال           Baron Innerdal مسافرًا من كراتشي إلى ليفربول يحمل شحنةً من القمح، واصطدمت السفينة ببعض الصخور بإحدى جزر كوريا موريا. انطلق الطاقم ومعظمهم من البحارة اليونانيين في زورقي نجاة، فُقِد أحدهم ولم يُسمع عنه شيئًا، أما القارب الآخر فقد وصل سالمًا إلى منطقة تابعة لسلطان مسقط، وتم إرسال باخرة من عدن لأعمال البحث والإنقاذ، وعندما وصلت الباخرة إلى جزيرة مصيرة اكتشفت أنه تم قتل الطاقم الناجي عدا صبي يعمل بالكابينة نجى من القتل وتم إعادته إلى عدن.

تعداد السكان

في 27 يوليو 1926 طلب الوكيل السياسي البريطاني بمسقط المايجور ميرفي من مجلس وزراء مسقط وعمان تفصيلًا عن أحوال السكان وعددهم، فكلف مجلس الوزراء والي صور بالبحث في الأمر، وتم الرد في 9 أكتوبر من العام نفسه بإرسال كشف يتضمن أسماء سكان الجزيرة الكبرى وعددهم 35 شخصًا.

طلب امتياز

في سنة 1931 قدم اثنان من سكان مدينة هاربن الصينية وهما جيمس ألكسندر هنتر، وجون ب. كانست طلبًا للحصول على امتياز لاستكشاف ذرق الطيور ورواسب الفوسفات على الجزر.

زيارات للجزر

قام العديد من المسؤولين البريطانيين بزيارة إلى الجزر في فترات مختلفة لتقديم معلومات وتقارير عنها يتم رفعها إلى الإدارة البريطانية العليا، ومن هذه الزيارات زيارة المعتمد السياسي إف. سي. إل. تشونسي في السابع من مايو 1950، وزيارة Chieftan و  Chivalrous سنة 1951، وزيارة الرائد آر. كاندليش والملازم طبيب جيه. أيه. توم التابعين للسفينة الملكية إسكيمو، وزيارة المقيم السياسي في الخليج العربي المقدم ويليام روبرت هاي إلى الجزر في أبريل 1947، وخلال الزيارة قدم الأهالي عينات من المواد الخام التي تتمتع بها الجزيرة، وزيارة إن. أيه. مارشال الذي أعد تقريرًا حول رغبات سكان الجزر بخصوص تسليم الجزر إلى سلطنة مسقط وعمان، وتقارير بشأن صحة سكان الجزر أعدها الطبيب العسكري المُلازم إن. ريتشاردز عقب زيارتيه في فبراير وأكتوبر 1967 على متن السفينة الملكية أشانتي والسفينة الملكية جوركا.

مسؤولية الإشراف على الجزر

على الرغم من أن الجزر ظلت مسؤولية رئاسة بومباي منذ 1854، إلا أنه تم نقل إدارتها إلى عدن ( التي كانت تدار من خلال رئاسة بومباي كذلك) منذ سنة 1886، وظلت تدار من هناك حتى سنة 1931 عندما تم نقل إدارة الجزر من المقيم السياسي في عدن إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي الذي كان مقره البحرين، وفي سنة 1932 تم فصل عدن عن الرئاسة في بومباي في ظل تشكيل جديد كإقليم تابع لكبير المفوّضين، وتم ضم الجزر رسميًا إلى إقليم عدن في سنة 1926، ووضعها بموجب القانون تحت إدارة كبير المفوّضين في عدن، وفي عام 1963 تم نقل الإشراف إلى المقيم السياسي البريطاني في البحرين، ثم عودتها إلى عمان في عام 1967.

معاهدة التنازل

بعد مراسلات سابقة عديدة تم صياغة بنود معاهدة التنازل بين جلالة ملكة بريطانيا وسلطان مسقط وعُمان، باللغتين العربية والإنجليزية، وقَّع عليها سلطان مسقط وعُمان سعيد بن تيمور وآر. إس. كروفورد في الخامس عشر من نوفمبر 1967.

وتشتمل المعاهدة على 3 مواد: المادة الأولى وتنص على أن سيادة صاحبة الجلالة البريطانية على جزر كوريا موريا بهذا تسلم إلى السلطان ويسري مفعولها من يوم 30 نوفمبر 1967، بينما تنص المادة الثانية على أن يسري مفعولها من يوم 30 نوفمبر 1967 فسكان جزر جزر كوريا موريا سينهون قومية المملكة المتحدة والمستعمرات وسيكونون رعايا للسلطان، وتشير المادة الثالثة إلى أن هذه المعاهدة تصبح نافذة عند التوقيع.

وجرى التوقيع على نسختين في صلالة في الخامس عشر من نوفمبر 1967 الموافق يوم الثاني عشر من شعبان من سنة ۱۳۸۷ باللغتين الإنجليزية والعربية لهما عين المقام من الاعتبار.

موقف اليمن الجنوبي من اتفاقية 1967

احتجت اليمن الجنوبي على إرجاع بريطانيا جزر كوريا موريا إلى حكومة السلطان، وطالبت جامعة الدول العربية والأمم المتحدة بتأييد مطالب اليمن الجنوبي على اعتبار أن هذه الجزر تتبع محمية عدن وبالتالي هي جزء من اليمن الجنوبي.

وأخذت المعارضة اليمنية الجنوبية عددًا من الأشكال منها معارضة التسليم المقترح للجزر والتي أعرب عنها وفد جبهة التحرير الوطنية في جنيف، ومباحثات بين الوفد البريطاني وقحطان محمد الشعبي، وإعلانه اللاحق المعارض لنقل السيادة بعد أن أصبح رئيسًا لجنوب اليمن، ورسالة احتجاج من سيف أحمد الضالعي إلى الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت على نقل السيادة، كما أشارت تقارير استخباراتية إلى اعتزام جنوب اليمن إرسال مراكب داو شراعية مُسلحة وسفينة  الغزال إلى الجزر.

كما تدخلت الإمامة في عُمان في هذه المسألة، حيث تقدم إمام إمامة عُمان الشيخ غالب بن علي بن هلال الهنائي في 30 نوفمبر عام 1967م برسالة إلى الأمين العام في الاجتماع الثامن والأربعين لمجلس الجامعة، وأكد فيها أن جزر كوريا موريا هي جزء لا يتجزأ من عُمان كما أنه يرفض بشدة ضمها إلى أي دولة أخرى.

وتم حل مشكلة الخلاف على ملكية الجزر بعد ترسيم الحدود بين عُمان واليمن في عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه عام 1992م.

المراجع

  • العجيلي، غانم محمد. عمان والسياسة البريطانية في شرق أفريقيا، الدار العربية للموسوعات،2012.
  • النعماني، يونس بن جميل. الحدود العُمانية اليمنية (2-2)، ملحق أشرعة، جريدة الوطن، 12 أكتوبر 2014.
  • جريدة الأهرام المصرية. عدد 2 ديسمبر 1967.
  • جريدة الدستور الأردنية. عدد 3 ديسمبر 1967.
  • صفحة سعيد بن خالد العمري بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر. الأحد 1 ديسمبر 2019.
  • ملخص عدة تقارير من مكتبة قطر الرقمية. https://www.qdl.qa
  • ملخص عدة تقارير من الأرشيف الرقمي للخليج العربي https://www.agda.ae/en.
  • موقع مكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار https://www.omsgd.gov.om/ar-om/shaleem
  • https://www.britishempire.co.uk/maproom/kuriamuria.htm
  • صور التقارير والمعاهدة من الأرشيف الرقمي للخليج ومكتبة قطر الرقمية.


إقرأ المزيد